*
الاثنين: 28 أيلول 2026
  • 28 أيلول 2026
  • 10:46
نتنياهو من هو الجبان حقا
الكاتب: عماد داود

«جبناء أخلاقيا».

بهذه الكلمة استقبل بنيامين نتنياهو من غادروا مقاعدهم في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 أيلول 2026، قبل أن يكمل الجملة الأولى من خطابه.

سبعة وسبعون وفدا كانوا قد قرروا المغادرة سلفا، بينهم مصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا وإسبانيا وجنوب أفريقيا والبرازيل.

اعتراض عابر لأربع قارات في آن واحد.

خرجوا صامتين.

هو من احتاج إلى الكلمة.

فمن يوصف غياب غيره بالجبن، عليه أولا أن يثبت شجاعته بمقياس أدق من علو الصوت.

والشجاعة تُقاس بحجم من نختار أن نقاتله.

ومن يختار، مرارا وتكرارا، أن يقاتل من لا يملك سلاحا بدل من يهدده فعلا، يقترب من تعريف الجبن أكثر مما يقترب من نقيضه.

وفي دراسات الخطاب الدعائي، لهذا النمط اسم محدد: اتهام المرآة.

أن ينسب المتحدث لخصمه، مسبقا وبصوت عال، الصفة ذاتها التي يخشى أن يُتهم بها هو، قبل أن يُسأل عنها.

يُوصف الآخرون بالكذب، قبل أن يُسأل قائل ذلك عن كذبه هو.

ويوصفون بالجبن، قبل أن يُسأل عن جبنه هو.

وفي نفس الخطاب الذي وصف فيه نتنياهو المنسحبين بالجبن، وصف اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بأنها فعل حفنة من الشبان، لا يتجاوز ضحاياها شخصا أو اثنين.

المصادر الأممية تروي حكاية مختلفة تماما.

وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1600 اعتداء لمستوطنين في الضفة منذ بداية 2026 وحتى 14 أيلول، بمعدل 6.7 اعتداءات يوميا مقابل خمسة فقط طوال عام 2025، وطالت 275 تجمعا فلسطينيا.

ووفق المكتب نفسه، هجر أكثر من 2600 فلسطيني هذا العام بسبب عنف المستوطنين، من إجمالي 4300 مهجر في الضفة كلها.

وفي الفترة نفسها، هدمت سلطات الاحتلال 1164 منشأة فلسطينية في الضفة بذريعة عدم الترخيص.

منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت مقتل ما لا يقل عن 15 فلسطينيا على يد مستوطنين هذا العام، بينهم طفلان.

طفلان لا يحملان حجرا ولا سلاحا، سقطا في مواجهة غير متكافئة أصلا!

وتصبح تسمية هذا العنف "فعل حفنة من الشبان" اختبارا آخر لمعنى الشجاعة نفسه، أثقل من أن يمر بوصفه دفاعا عن النفس.

وفي غزة، حيث القوة العسكرية غير متناظرة أصلا بين طرفين، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، في 21 تشرين الثاني 2024، مذكرة توقيف بحق نتنياهو نفسه.

قالت دائرتها التمهيدية إن ثمة أسبابا معقولة للاعتقاد بمسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، والقتل والاضطهاد، وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين.

والتجويع سلاح يُستخدم عادة ضد من لا خيار أمامه سوى الانتظار.

والمذكرة نفسها اتهام، والإدانة حكم، وبينهما مسافة قضائية لا يجوز اختصارها.

لكن نص الاتهام وحده يكفي لوضع كلمة الجبن في سياقها الصحيح، بعيدا عن قاعة الأمم المتحدة.

وفي هذا الخطاب نفسه، لم يقف نتنياهو عند الدفاع عن سياسة بعينها.

عاد بالزمن إلى ما قبل 1967، إلى مرحلة لم تكن فيها إسرائيل تحتل الضفة أو غزة أو الجولان بعد.

خلص من ذلك إلى أن وجود الدولة اليهودية هو المعيار الحقيقي، بصرف النظر عن حدودها.

هذا انتقال بالنقاش من ساحة القانون إلى ساحة الوجود، حيث لا تصل أسئلة القضاء بسهولة.

واعتبرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل النقطة الأثقل في الخطاب، لأنها تستند إلى الشرعية التاريخية لا إلى الحجة الأمنية التقليدية وحدها.

غير أن سؤال حق الوجود لا يبرر تلقائيا كل وسيلة تستخدم باسمه.

ولهذا العنوان حكاية أقدم من هذا الخطاب بكثير.

في أصلها، كان صاحب الظل غائبا عن العين، حاضرا بأثره فقط؛ فتاة يتيمة لم تكن تعرف شكله، لكنها رأت ظله الطويل يعبر الحديقة ذات مساء، قبل أن تعرف عنه اسما أو وجها.

أما هنا، فصاحب الظل يقف تحت الضوء بنفسه.

يكشف الضوء وجهه، ويترك خلفه كل ما تراكم من سنوات.

وفي المدينة التي استضافت الخطاب، وقعت مواجهة أخرى، بلا مواربة هذه المرة.

هاجم نتنياهو عمدة نيويورك زهران ممداني بالاسم.

فرد ممداني بأن كلامه يكرر أكاذيب هدفها تلميع ما وصفه بإبادة للفلسطينيين، مضيفا أن أي كذبة لا تغير كون نتنياهو ما يزال مطلوبا بمذكرة توقيف دولية بتهم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكأن الضوء الذي يفترض أن يفضح صار، في هذه اللحظة، أداة لإخفاء ما تحته.

ورد نتنياهو على ممداني بوصفه شخصا يساند حركة حماس ويحرض ضد إسرائيل.

وهكذا تحولت منصة الأمم المتحدة، لوهلة، إلى ساحة اتهامات متبادلة فحسب!

وكل ابتعاد عن مصدر الضوء الأول يزيد الظل طولا.

وداخل إسرائيل نفسها، هناك ملف أقدم من مذكرة لاهاي بسنوات.

ثلاث قضايا تحمل أرقاما بدل أسماء: 1000، 2000، 4000.

رشوة، واحتيال، وخيانة أمانة، ونتنياهو ينفيها جميعا.

بدأت شهادته في كانون الأول 2024، وانتهت في 24 حزيران 2026، بعد 98 جلسة استماع.

والمحاكمة نفسها لم تصدر حكمها بعد، وما زالت إجراءاتها مستمرة.

ويرد أنصاره بأن المحكمة الجنائية الدولية مسيسة، وأن القضاء الإسرائيلي وحده صاحب الحق بالفصل في ملفاته الداخلية.

هذه حجج تفسر موقف من يقولها، ولا تمحو الملفات نفسها.

فالظل قائم بصرف النظر عن اقتناعنا بتفسيره.

وهذا التجاوز بين النص والتطبيق ليس استثناء فريدا في عالم اليوم.

الرئيس الروسي، المطلوب هو الآخر بمذكرة توقيف من المحكمة نفسها منذ آذار 2023 بتهمة ترحيل أطفال أوكرانيين قسرا، يسلك نمطا مشابها تماما: يزور فقط الدول غير الموقعة على نظام روما الأساسي، أو تلك التي تختار غض الطرف.

وحين حلّقت طائرة نتنياهو هذا الشهر عائدة من نيويورك عبر أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا، الدول الثلاث الموقعة على النظام نفسه، سمحت جميعها بعبورها دون اعتراض.

خريطة العالم، لمن يحمل مذكرة توقيف دولية، صارت تُرسم اليوم بحسب من يستطيع أن يهبط أين، لا بحسب القانون وحده.

وفي الخطاب ذاته، عدّ نتنياهو سبع جبهات عسكرية تخوضها إسرائيل، ثم أعلن جبهة ثامنة سماها معركة الحقيقة، تدور رحاها على الشاشات ووسائل التواصل.

لكن هذه الجبهة بالذات تخاض، في الغالب، ضد من لا يملك جيشا يرد به: صحفي بكاميرا، ومصور بعدسة، ومواطن بهاتف، وأحيانا طفل لا يحمل شيئا.

وفي 24 أيلول، أغلقت لجنة حماية الصحفيين مراجعة استمرت أشهرا لـ229 حالة وفاة بين صحفيين وعاملين إعلاميين، منذ تشرين الأول 2023.

حذفت اللجنة 22 اسما تبين ارتباطها بالقتال المباشر، وأعادت ستة أسماء حذفت خطأ، وأعادت تصنيف 12 حالة أخرى.

وحتى بعد هذا التصحيح كله، ظلت إسرائيل الجهة الأعلى عالميا في عدد قتلى الصحفيين منذ بداية الحرب!

فالحقيقة شاهد وحيد يحتاج أن يبقى حيا كي يتكلم!

والمغادرة الجماعية نفسها ليست حادثة العام الوحيد.

ففي الدورة السابقة، كان مجرد صعود نتنياهو إلى المنصة كافيا لإخلاء مقاعد قبل أن ينطق بكلمة، وكأن الاعتراض صار طقسا سنويا متجددا لا يحتاج مناسبة جديدة ليتكرر.

والأعداد وحدها لا تروي كل القصة.

من بقي في القاعة ينتمي في غالبيته إلى الحلف الغربي التقليدي لإسرائيل، ومن غادر ضم قارات كانت تاريخيا موزعة المواقف.

حين يتقلص من يبقى مصغيا إلى دائرة واحدة متماسكة، تتحول العزلة العابرة إلى خريطة تحالفات تعيد رسم نفسها كل عام.

وبعد الخطاب بثلاثة وثلاثين يوما، في 27 تشرين الأول 2026، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست السادس والعشرين.

في سباق تصفه استطلاعات الرأي بالمتعادل بين معسكر نتنياهو ومعسكر يقوده رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، بفارق لا يتجاوز أحيانا حدود الخطأ الإحصائي نفسه.

سبع جبهات معلنة ثم ثامنة، وجهاز نداء رفع في الهواء إشارة إلى تفجيرات حزب الله، وجهاز آخر أصغر أهداه نتنياهو رمزيا للوفد الإيراني، ودول ذكرت بالاسم أمام العالم كله.

لكن استطلاعا أظهر أن اثنين وستين بالمئة من الإسرائيليين قلقون بشدة من تراجع مكانة بلادهم الدولية!

وكان الخطاب موجّها أيضا إلى صندوق أقرب بكثير: صندوق الاقتراع الإسرائيلي، قبل خمسة أسابيع من موعد يقرر فيه ذلك الناخب مصير نتنياهو السياسي، لا مصير القضية التي يتحدث باسمها.

أما الوفود السبعون وزيادة، فاستعانت بأقدامها وحدها لتقول ما قالته.

مقعد يترك خاليا، وباب يفتح بضوء عادي جدا لا يشبه ضوء المنصة، وخطوات لا تصدر عنها كلمة، في مواجهة كلام طويل مرتفع النبرة.

لا شجاعة تمنح لصاحبها بمجرد أنه رفع صوته من فوق منبر.

وما اختاره آخرون من صمت ومغادرة لا يكفي وحده لإثبات شجاعتهم أو جبنهم.

لكن كل كلمة تقال، كالضوء، تكشف قائلها بقدر ما تكشف من توجه إليه.

في تلك الحكاية القديمة، كان صاحب الظل غامضا ولم يظهر إلا في النهاية.

هنا الترتيب معكوس من أوله: صاحب الظل معروف منذ البداية، وما بقي مجهولا هو مدى هذا الظل وحده.

فطول الظل لا تحدده مساحته على الأرض تحت قدمي صاحبه.

يحدده وحده ما يبقى منه حين تطفأ كل الأضواء دفعة واحدة: مستوطنات وسعت رقعتها فوق أرض غيرها، وتجويع أدرج في وثيقة رسمية، وصحفيون لم يعودوا لإكمال تقاريرهم، وأطفال لم يكبروا ليرووا ما رأوه.

وحين تطفأ الأضواء، لن يبقى ميكروفون ولا منصة ولا وفد يغادر.

ستبقى فقط الأسئلة التي لا تحتاج إلى خطاب لتطرح: من يستقوي على من لا حول له ولا قوة؟

ومن يصف غيره بالجبن وهو يفعل ذلك بنفسه؟

من كان الجبان الحقيقي في تلك القاعة؟!

مواضيع قد تعجبك