هناك سؤال أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بجدية: هل كل طالب ينجح في الثانوية العامة يجب أن يكون هدفه التالي هو دخول الجامعة؟
لا أعتقد أن الإجابة يجب أن تكون نعم.
الجامعة مهمة، ولا أحد ينكر دور التعليم الجامعي في بناء المجتمع وتأهيل الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين وغيرهم من أصحاب المهن التي تحتاج إلى تعليم أكاديمي متخصص. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح دخول الجامعة هو المسار الطبيعي والوحيد تقريباً لكل من ينجح في الثانوية، بغض النظر عن ميوله وقدراته، وبغض النظر أيضاً عن حاجة سوق العمل.
خلال السنوات الماضية أصبحنا ننظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها الغاية، وليس باعتبارها وسيلة. كثير من الأسر لا تسأل ابنها: ماذا تستطيع أن تتقن؟ وما المجال الذي يناسب قدراتك؟ وأين يمكن أن تجد فرصة حقيقية بعد التخرج؟ بل يكون السؤال في الغالب: ماذا ستدرس في الجامعة؟
وهنا تبدأ المشكلة.
إذا استمررنا في تخريج أعداد كبيرة من الجامعات من دون أن نربط أعداد الطلبة والتخصصات باحتياجات سوق العمل، فمن الطبيعي أن نجد بعد سنوات أعداداً كبيرة من الخريجين يبحثون عن وظائف، بينما نكتشف في المقابل أننا نفتقد إلى فنيين وتقنيين وحرفيين وأصحاب مهن ماهرة.
وهذه المفارقة موجودة فعلاً في سوق العمل الأردني. فهناك خريجون جامعيون يجدون صعوبة في الحصول على وظيفة تتناسب مع تخصصاتهم، وفي الوقت نفسه هناك مهن يحتاجها السوق ولا تجد دائماً العدد الكافي من الأردنيين الذين يمتلكون مهاراتها العملية.
المشكلة هنا ليست أن لدينا «جامعيين أكثر من اللازم» بالمعنى المطلق، وإنما أن هناك عدم توازن بين ما ينتجه النظام التعليمي وما يحتاجه الاقتصاد.
خذ مثلاً قطاع الطاقة المتجددة.
نحن بحاجة إلى مهندسين يصممون المشاريع ويضعون الدراسات والحلول، لكننا بحاجة أيضاً إلى فنيين قادرين على تركيب الأنظمة وتشغيلها وصيانتها وفحصها ومعالجة أعطالها. الأمر نفسه ينطبق على المصانع، وشبكات الاتصالات، والأتمتة الصناعية، والمركبات الكهربائية، والتكييف والتبريد، والصيانة، والإنشاءات، وأنظمة المباني الذكية وغيرها.
المهندس وحده لا يستطيع تنفيذ كل شيء، كما أن الفني لا يمكن أن يحل محل المهندس في الأعمال التي تتطلب تخصصاً هندسياً. المنظومة تحتاج الاثنين معاً، ولكل منهما دوره.
المشكلة أننا تعاملنا لفترة طويلة مع التعليم المهني والتقني وكأنه خيار لمن لم يستطع الوصول إلى الجامعة. وهذه نظرة تحتاج إلى تغيير.
الفني الماهر ليس أقل قيمة من خريج الجامعة. وقد يكون هناك فني يمتلك خبرة ومهارة يحتاجها السوق أكثر من شخص يحمل شهادة جامعية في تخصص لا توجد عليه حاجة حقيقية.
والأهم أن بعض المهن الفنية اليوم أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق. ففني الأتمتة الصناعية، مثلاً، قد يتعامل مع PLC والحساسات وأنظمة التحكم والروبوتات والشبكات الصناعية. وفني الطاقة الشمسية يتعامل مع أنظمة كهربائية وإلكترونية وقياسات وبرمجيات ومعدات متطورة. وفني المركبات الكهربائية يحتاج إلى معرفة بالأنظمة الكهربائية والإلكترونية والبطاريات والتشخيص.
هذه ليست أعمالاً بسيطة، وإنما مهن تحتاج إلى تعليم وتدريب ومهارة وخبرة.
هناك مشكلة أخرى لا نتحدث عنها كثيراً، وهي أن الشهادة الجامعية قد لا تساعد صاحبها بالضرورة عندما يضطر إلى التقدم لوظيفة فنية.
فصاحب العمل الذي يبحث عن فني كهرباء أو فني صيانة أو فني أتمتة لا يبحث عن الشهادة فقط. هو يريد شخصاً يعرف كيف يمسك بالأداة، ويقرأ المخطط، ويشخص العطل، ويشغل الجهاز، ويحل المشكلة.
إذا جاءه شخص يحمل بكالوريوس في تخصص بعيد عن هذه المهنة، فمن الطبيعي أن يسأل: هل لديه المهارة المطلوبة؟ وهل سيبقى في هذه الوظيفة؟ وهل لديه استعداد للعمل الفني؟
وهكذا نجد أنفسنا أمام وضع غريب: شخص يحمل شهادة جامعية، لكنه لا يجد عملاً مناسباً لها، وفي الوقت نفسه لا يستطيع بسهولة الدخول إلى بعض المهن الفنية لأن شهادته لا تعكس المهارات التي تحتاجها تلك المهنة.
وهذه المشكلة لا تتعلق بالأردن وحده. عندما يبحث الخريج عن فرصة في السعودية أو الإمارات أو قطر أو أي سوق آخر، سيجد نفسه أمام منافسة أكبر. الشهادة الجامعية مهمة، لكنها ليست وحدها التي تحدد فرصته. صاحب العمل يريد أن يعرف ماذا يستطيع الشخص أن يفعل فعلياً، وما خبرته، وما المهارات التي يمتلكها، وما الشهادات المهنية التي حصل عليها، وهل يستطيع العمل والإنتاج من اليوم الأول أو يحتاج إلى تدريب طويل.
لذلك أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في الفكرة السائدة بأن نجاح الطالب في الثانوية يعني بالضرورة دخوله الجامعة.
ربما يكون الأفضل أن نقول للطالب:
أمامك أكثر من طريق، اختر الطريق الذي يناسب قدراتك وطموحك ويمنحك فرصة حقيقية في سوق العمل.
قد يكون هذا الطريق الجامعة، وقد يكون كلية تقنية، وقد يكون برنامجاً مهنياً متخصصاً، وقد يبدأ بدبلوم ثم يكمل دراسته لاحقاً، أو يحصل على شهادات مهنية وخبرة عملية.
المهم ألا نغلق الأبواب أمام أي شخص بسبب اختياره مساراً مختلفاً.
وأعتقد أن الكليات التقنية يمكن أن تلعب دوراً مهماً جداً هنا، خصوصاً إذا لم تتحول إلى جامعات أخرى تمنح شهادات فقط. المطلوب أن تخرج شخصاً يعرف كيف يعمل، وليس فقط شخصاً يعرف ماذا درس.
وهذا يعني أن تكون هناك مختبرات حقيقية، وتدريب ميداني حقيقي، وشراكات مع الشركات، ومناهج تتغير مع التكنولوجيا، وشهادات مهنية، ومشاريع تطبيقية، وربط مباشر بين الطالب وصاحب العمل.
نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا للمهنة.
ليس من المنطقي أن نحتاج إلى فني متخصص ثم نقنع أبناءنا بأن العمل الفني أقل قيمة، وبعد ذلك نبحث عن الفني في الخارج.
وليس من المنطقي أيضاً أن نرسل كل أبنائنا إلى الجامعة ثم نتساءل بعد أربع أو خمس سنوات لماذا لا توجد وظائف كافية لهم.
السؤال الصحيح ليس: كم طالباً نستطيع أن ندخل إلى الجامعة؟
السؤال الأهم هو:
كم شاباً نستطيع أن نؤهله ليصبح قادراً على العمل والإنتاج وبناء مستقبله؟
قد يكون أحدهم مهندساً، وآخر تقنياً، وثالثاً فنياً، ورابعاً حرفياً ماهراً، وخامساً رائد أعمال. المهم أن يمتلك كل واحد منهم مهارة حقيقية يحتاجها المجتمع والاقتصاد.
في النهاية، نحن لا نحتاج إلى مجتمع يحمل أفراده أكبر عدد ممكن من الشهادات، وإنما نحتاج إلى مجتمع يمتلك أفراده المهارات التي يحتاجها المستقبل.
وهنا يجب أن تتغير ثقافتنا من «ماذا تحمل من شهادة؟» إلى «ماذا تستطيع أن تفعل؟».
هذه، في رأيي، هي النقلة التي نحتاجها إذا أردنا أن نعالج مشكلة البطالة ونقص المهارات في الوقت نفسه، وأن نمنح أبناءنا فرصاً حقيقية في الأردن وفي الأسواق الإقليمية والعالمية.



