*
الاربعاء: 23 أيلول 2026
  • 23 أيلول 2026
  • 19:22
من يسائل المسؤولين هل حقا نمتلك أهل الخبرة والاختصاص
الكاتب: شيرين قسوس

يظن كثيرون أن نجاح المسؤول يُقاس بعدد القرارات التي يوقعها أو الاجتماعات التي يترأسها، بينما جوهر النجاح الحقيقي يكمن في قدرته على التواصل الفعّال مع جميع فئات المجتمع الذي يخدمه؛ مع الموظف البسيط كما مع الجهة الرقابية العليا، ومع الجمهور بلغة تليق بمقامه وحاجته، لا بلغة واحدة جافة تُستخدم مع الجميع دون تمييز. المسؤول الكفؤ ينتقي كلماته حين يتحدث، فيبتعد عن الجلافة والفوقية، لأن اللسان الحاد لا يبني ثقة، وإنما يوسّع الهوة بين صاحب القرار ومن يتأثر به.

لكن ما نراه في كثير من دوائرنا الحكومية والوزارات هو مشهد مغاير تماماً لهذه الصورة المثالية. يصدر المسؤول كتاباً رسمياً شديد اللهجة يمنع التدخين منعاً قطعياً داخل المبنى، ولا يخصص حتى مكاناً بديلاً للمدخنين من الموظفين، تحت طائلة المساءلة والعقوبة لمن يخالف. ثم يدخل مراجع إلى مكتبه فتفوح رائحة سيجار قوي، ليجد السيجار نفسه مستلقياً على منفضة فوق مكتب المسؤول، بانتظار من يعيد إشعاله بعد انصراف الزائر. وهذا التناقض ليس استثناءً معزولاً، بل نموذج يتكرر بأشكال أخرى؛ فالمسؤول الذي يطالب موظفيه بالحضور في السابعة صباحاً بدقة يصل هو الساعة العاشرة دون أن يسأله أحد، والذي يمنع استخدام الهاتف الشخصي أثناء الدوام تراه منشغلاً بمكالماته الخاصة لساعات، والذي يشترط التقشف في المصاريف الإدارية يجدد أثاث مكتبه كل عام. كتب رسمية تُوزَّع بحزم على الصغار، بينما الكبير يعفي نفسه منها كأنها لا تعنيه.

والأدهى من ذلك أن بعض المسؤولين حين يقع في خطأ، لا يتحمل مسؤوليته ولا يعترف بها، بل يبحث عمن يُحمّله إياها من الموظفين الأصغر، فيقع الموظف الذي لا حول له ولا قوة ضحية قرار لم يصدر عنه، ويُثبَّت له تنبيه أو مخالفة في ملفه المحوسب، يلاحقه في مسيرته الوظيفية، بينما صاحب القرار الحقيقي يمضي في مكتبه دون أن يُسأل يوماً: من راقبك؟ ومن حاسبك؟

التواضع مع الجمهور والموظفين ليس ضعفاً ولا تنازلاً عن الهيبة، بل هو من صميم الأخلاق، والأخلاق هي أساس أي تحضر حقيقي في مسلك التطوير. فمهما تطورت أجهزتنا وآليات عملنا في الشكل الظاهر، من مبانٍ حديثة وأنظمة إلكترونية ولوحات فخمة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أننا نمونا وتقدمنا من الداخل وعلى أرض الواقع. المنظومة الحضارية تحتاج أن يقودها إنسان متحضر بأسلوبه ونهجه، بأخلاق سامية تناسب مقعده أينما كان، وطريقه أينما حل. فهل نمتلك فعلاً أهل اختصاص وخبرة يخاطبون جمهورهم بما يليق بهذا الجمهور، ويدعمون موظفيهم بواقع فعلي لا بوعود وردية تبقى حبراً على ورق؟

ما زالت فوضى دوائر حكوماتنا ووزاراتنا بحاجة إلى إعادة هيكلة وضبط من الداخل، تبدأ بتطبيق الكتب الرسمية على الموظف الكبير قبل الصغير، وتخفيف نبرة التهديد والوعيد التي تُستخدم بحق الموظفين البسطاء وحدهم، فيما يُعفى منها من هم أعلى منصباً. فحتى يتماشى التطوير مع المجتمع، ويظهر أثره على أرض الواقع لا في التقارير والخطابات، لا بد من ممارسة فعلية أخلاقية تلازم كل قرار وكل كتاب رسمي؛ إذ لا يمكن تجزئة التطور عن الأخلاق والممارسة، فهما وجهان لعملة واحدة، إن غاب أحدهما سقط الآخر معه.

مواضيع قد تعجبك