الدكتور جمال المصري
لم يحتج الأمر هذه المرة إلى وقت طويل ليتصدر المشهد المصرفي واجهة الاهتمام الشعبي والاقتصادي؛ فبعد نحو نصف ساعة فقط من قرار البنك المركزي الأردني رفع أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، سارعت جمعية البنوك في الأردن لإصدار بيان طمأنة أكدت فيه أن هذه الزيادة لن تنعكس على أسعار فائدة القروض القائمة الممنوحة للأفراد، لتبقى أقساطهم الشهرية بمنأى عن كلفة القرار الجديد.
هذا الخبر الذي نزل برداً وسلاماً على قلوب المقترضين حظي بإشادات واسعة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يرفع تلقائياً تكلفة الأموال على البنوك، وبالتالي فإن امتناعها عن تمرير هذه الزيادة يعني تحملها جزءاً من الكلفة التي كان يمكن قانوناً -وفق شروط بعض العقود- نقلها إلى كاهل المستهلك. لكن، وقبل الاسترسال في عبارات الثناء، يبرز سؤال جوهري يسبق الإشادة بالمبادرة: أي جزء مما أعلنته البنوك يمثل مبادرة حقيقية وتبرعاً بكلفة مالية، وأي جزء ليس سوى التزام قانوني وتنظيمي قائم أصلًا؟
إن فهم هذه المفارقة يستدعي التأكيد على أن القرار النقدي برفع الفائدة لا يعيد كتابة عقود القروض القائمة تلقائياً؛ فالسوق المصرفي يقوم على تنوع في المنتجات الائتمانية، حيث يعرف مقترض الفائدة المتغيرة منذ البداية أن كلفة قرضه صعوداً وهبوطاً مرتبطة بأداة تسعير محددة، في حين يشتري مقترض الفائدة الثابتة "اليقين المالي" تجنباً لتقلبات السوق، بينما يجمع نوع ثالث بين الثبات لفترة محددة والتحول إلى الفائدة المتغيرة لاحقاً وفق شروط تعاقدية واضحة.
بناءً على هذه الفروق، يتضح الخيط الفاصل بين المبادرة والالتزام؛ فإذا كانت عقود القروض المتغيرة تمنح البنك صراحةً حق إعادة التسعير فور رفع الفائدة الرسمية، ثم اختار البنك طوعاً تجميد هذا الحق, فنحن هنا أمام مبادرة حقيقية يتحمل فيها القطاع المصرفي كلفة مباشرة تستوجب الشكر والتقدير. أما في حالة القروض ذات الفائدة الثابتة، فالأمر يكتسي بعداً قانونياً مختلفاً تماماً، لأن البنك عندما يمنح قرضاً طويل الأجل بسعر ثابت، فإنه يعي تماماً أن تكلفة الأموال قد ترتفع أو تنخفض خلال عمر العقد، وهذه تحديداً هي المخاطر التشغيلية التي تقوم المهنة المصرفية على تسعيرها وإدارتها أصلاً، ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت كلفة الأموال قد ارتفعت على البنك، بل مَن الذي وافق عند توقيع العقد على تحمل مخاطر هذا الارتفاع؟
هذه الجدلية القانونية لم تولد مع قرار الفائدة الأخير، إذ سبق لمحكمة التمييز الأردنية أن حسمت هذا النقاش في قرارها الحقوقي الشهير رقم 1208/2019، عندما أقرت بأن الأصل في الفائدة الاتفاقية هو ما تلاقت عليه إرادة الطرفين، مؤكدة أن رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة لا يمنح البنك التجاري، بمفرده وبإرادته المنفردة، حق تعديل السعر المتفق عليه في العقود السابقة. ثم جاءت تعليمات حماية المستهلك المالي لقطاع البنوك رقم (14) لسنة 2024 لتوثق هذا المبدأ القضائي في إطار تنظيمي استباقي شديد الوضوح، فرغم أن النسخة الأولى من التعليمات منحت البنوك مهلة 90 يوماً لتصويب أوضاعها، إلا أن البنك المركزي أصدر لاحقاً التعليمات المعدلة لسنة 2025، والتي حسمت مهلة النفاذ بشكل نهائي معلنةً تاريخ 1 تموز 2025 موعداً رسمياً للتطبيق والالتزام الكامل.
وتقضي المادة 44 من هذه التعليمات صراحةً بأنه عندما يختار العميل منتجاً ائتمانياً بسعر فائدة ثابت، يحظر على البنك تغيير هذا السعر طوال مدة العقد بإرادته المنفردة. وتكمن أهمية هذه المادة في كونها نقلت الحماية القانونية من طور "حسم النزاع قضائياً بعد وقوعه" إلى طور "المنع التنظيمي الاستباقي"؛ فبدل أن يضطر المقترض إلى الدخول في خصومة قضائية مكلفة وطويلة لمعرفة حدود عقده، تصبح القاعدة المصرفية معروفة ومقننة مسبقاً، وهو ما يحمي البنوك والمقترضين معاً من الغموض ويعزز مستويات الثقة في المنتج المصرفي ككل.
ولم تكن المادة التنظيمية (44) اجتهاداً تشريعياً معزولاً، بل جاءت تفعيلاً لعرف مصرفي وقانوني راسخ سبقت إليه كبرى الأنظمة المالية عالمياً وإقليمياً؛ كفرنسا وكندا والولايات المتحدة. وعلى الصعيد العربي، يتطابق هذا النهج مع القواعد الصارمة التي تطبقها البنوك المركزية عبر تجارب تنظيمية استباقية؛ بدءاً من تونس (التي تفصل تشريعاتها منذ عام 1999 بين الفائدة الثابتة والمتغيرة لحماية المقترض من 'تقلبات السياسة النقدية')، ومصر (التي رسخت منذ قانونها المصرفي لعام 2003م مبدأ 'عدم جواز تغيير المراكز القانونية للعقود القائمة')، وصولاً إلى المملكة العربية السعودية التي قنّنت هذه الحماية مبكراً عبر مبادئ حماية العملاء الصادرة عام (2013) والمحدثة عام (2020م)، ودولة الإمارات عبر أنظمة حماية المستهلك المحدثة عام (2020)؛ حيث تجمع هذه القوانين المقارنة كُلها على تحصين العقود ذات الفائدة الثابتة من أي زيادة، صيانةً لالتزامات العقود واستقراراً لمعاملات المقترضين.
وعند إسقاط هذا الواقع على بيان جمعية البنوك، نجد أن الترحيب بالمبادرة يظل مستحقاً طالما أنه يشمل قروض الأفراد المتغيرة التي كان يمكن قانوناً إعادة تسعيرها، أما بالنسبة للقروض الثابتة المحصنة بالمادة 44 والمدعومة بجدول زمني صارم، فإن عدم رفع فائدتها ليس تنازلاً أو تبرعاً من البنك، بل هو امتثال حتمي للعقد وللمقتضى التنظيمي، والالتزام بالتعليمات فضيلة تستحق الثناء، لكنها تظل التزاماً لا منّة فيه.
ومع ذلك، لا ينبغي للقصة أن تقف عند حدود هذا البيان؛ فالتحركات الأخيرة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة والمؤشرات الصادرة عن لجنة السوق المفتوحة تؤكد أن جولات الرفع قد لا تكون الأخيرة، وهو ما ينعكس مباشرة على السياسة النقدية الأردنية بحكم نظام سعر الصرف الثابت الذي يربط الدينار بالدولار منذ عام 1995. هذا الارتباط العضوي يفرض على البنك المركزي الأردني الحفاظ على هامش فائدة مريح لصالح الدينار لتعزيز جاذبيته والحد من "الدولرة" وحماية الاحتياطيات الأجنبية، وهي متطلبات سيادية للاستقرار النقدي قد تتصادم في أحيان كثيرة مع قدرة الاقتصاد المحلي والمقترضين على تحمل كلف الانكماش.
وفي الوقت الذي يتجه فيه الاهتمام الإعلامي نحو قروض الأفراد السكنية والشخصية التي تناهز حاجز الـ 14.5 مليار دينار أردني وتمس القوة الشرائية لمئات الآلاف من الأسر، يظل قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) بمثابة الحلقة الأضعف خارج مظلة هذه الحماية التنظيمية. فهذه المنشآت، التي تمثل عصب الإنتاج والتشغيل في المملكة، تقترض عادة بموجب سقوف ائتمانية متحركة مرتبطة بأسعار الفائدة السائلة في السوق، ومع كل قرار رفع، تواجه قفزات فورية في كلف خدمة الدين، مما يهدد استمراريتها ويقلص هوامش أرباحها، وهو ما يستدعي التفكير مستقبلاً في إيجاد أطر توازن تمويلي تحمي قطاعات الإنتاج من الصدمات المتلاحقة.
إن الوقت الأنسب لتوضيح القواعد الحاكمة للسوق ليس بعد صدور قرار الرفع المقبل، بل الآن. وإذا كانت المادة 44 قد صُممت لتكون أداة استباقية تتناغم مع المعايير الدولية والمنظومة المصرفية العربية المستقرة، فإن المنطق يفرض على البنك المركزي الأردني تفعيلها وشرح مقتضاها بوضوح تام للرأي العام والقطاع المصرفي قبل موجات الرفع القادمة، بحيث يدرك كل مقترض وكل بنك -من واقع العقد والتعليمات- حدود حقوقه والتزاماته دون الحاجة لانتظار بيانات طمأنة استثنائية عند كل منعطف نقدي. عندها فقط، يكتمل المسار المؤسسي برؤية معاصرة ونضج تشريعي: محكمة التمييز أرست المبدأ، والتجارب الإقليمية والدولية أكدت رسوخه، والتعليمات حوّلته إلى نص تنظيمي نافذ، والمركزي يضمن تفعيله؛ لتستحق البنوك الشكر على مبادرتها حيث توجد المبادرة، وعلى التزامها الحتمي حيث يفرض القانون الالتزام، وتتحقق الحماية الحقيقية التي تبدأ من وضوح الكلمة في عقد قد يرافق الأسرة أو المشروع التجاري لعقود من الزمن.



