*
الثلاثاء: 22 أيلول 2026
  • 22 أيلول 2026
  • 23:26
لماذا يُصاب المزيد من الشباب بسرطان القولون والمستقيم

خبرني - لعقود، كان يُنظر إلى سرطان القولون والمستقيم باعتباره مرضا يرتبط أساسا بالتقدم في العمر. وما زال ذلك صحيحا إلى حد كبير، إذ تحدث غالبية الحالات بعد سن الخمسين. لكن اتجاها وبائيا جديدا أخذ يلفت انتباه الباحثين: ارتفاع معدلات الإصابة لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما.

هذه الحالة تُعرف بسرطان القولون والمستقيم المبكر (Early-onset colorectal cancer). هذا الوضع لا يعني أن انتشار المرض لدى الشباب أصبح كما هو لدى كبار السن، لكن معدل ارتفاعه في الفئات الأصغر سنا أصبح من الوضوح بحيث يصعب تجاهله.


فقد أظهر تحليل دولي كبير نُشر في المجلة المرموقة "ذا لانسيت أونكولوجي" (The Lancet Oncology) وشمل بيانات من 50 دولة وإقليما أن الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر ارتفعت في 27 منها.

وفي 20 دولة كان الارتفاع مقتصرا على الشباب أو أسرع لديهم مقارنة بالفئات الأكبر سنا. وفي الولايات المتحدة مثلا، تشير بيانات الجمعية الأمريكية للسرطان لعام 2026 إلى أن معدل الإصابة لدى من تقل أعمارهم عن 50 عاما ارتفع بنحو 2.9% سنويا بين عامي 2013 و2022، على الرغم من استمرار الاتجاه العام نحو انخفاض الإصابة في الأعمار الأكبر.

والسؤال الذي يحاول العلماء الإجابة عنه الآن هو: لماذا؟

الجينات لا تفسر القصة كاملة
عندما يُصَاب شخص في الثلاثين أو الأربعين بالسرطان، يكون التفكير الأول غالبا في الوراثة. وهناك بالفعل متلازمات وراثية، مثل متلازمة لينش، تُزيد بصورة كبيرة من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في عمر مبكر، لكنها لا تفسر غالبية الحالات.

وتشير مراجعة علمية شاملة في مجلة "نيتشر ريفيوز ديزيز برايمرز" (Nature Reviews Disease Primers) إلى إمكانية العثور على متلازمة سرطانية وراثية لدى نحو 20% من مرضى سرطان القولون والمستقيم في سن مبكرة، بينما لا يوجد لدى الأغلبية استعداد وراثي معروف يفسر المرض.


كما أن الجينات البشرية لم تتغير خلال بضعة عقود بالسرعة الكافية لتفسير هذا الارتفاع. لذلك بدأ العلماء يبحثون في شيء آخر: ما الذي تغير في البيئة والغذاء ونمط الحياة والتمثيل الغذائي وميكروبات الأمعاء لدى الأجيال الحديثة؟

ربما بدأت القصة في الطفولة
إحدى أهم الملاحظات جاءت مما يسمى "تأثير جيل الميلاد" (Birth cohort effect)، فقد تبين أن خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بدأ يرتفع لدى الأجيال المولودة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وأن هذا الارتفاع يتحرك مع الأجيال نفسها مع تقدمها في العمر. وهذا يطرح فكرة مهمة: ربما لا يكفي أن نسأل ماذا كان يأكل المريض في السنوات الخمس التي سبقت إصابته بالسرطان، بل يجب أن نسأل أيضا عما تعرض له خلال الطفولة والمراهقة وبداية الشباب.

فقد تغير النظام الغذائي، وانتشار السمنة في أعمار أصغر، وانخفض النشاط البدني، وازداد استخدام المضادات الحيوية، وتغيرت البيئة التي يتكون فيها ميكروبيوم الأمعاء (مجموع الكائنات المجهرية التي تعيش في الأمعاء). كما ظهرت خلال العقود الماضية تعرضات بيئية وغذائية جديدة قد يكون لبعضها دور لم نفهمه بعد.

وقد يكون السرطان الذي يظهر في الأربعين نتيجة سلسلة من الأحداث البيولوجية التي بدأت قبل ذلك بعقود.

السمنة والاضطراب الأيضي تحت المجهر
من أبرز التحولات التي تزامنت مع ارتفاع سرطان القولون لدى الشباب الانتشار الكبير للسمنة والسكري من النوع الثاني والاضطرابات الأيضية. والسمنة ليست مجرد تراكم للدهون، بل يمكن أن ترافقها مقاومة للإنسولين وارتفاع مستويات الإنسولين والتهاب مزمن منخفض الدرجة واضطرابات في عوامل النمو والمناعة، وهي تغيرات قد توفر بيئة تساعد على نمو الخلايا السرطانية.

وتدعم الدراسات الوبائية وجود علاقة بين السمنة وخطر سرطان القولون والمستقيم المبكر. كما أظهرت مراجعة منهجية حديثة أن السمنة ارتبطت بزيادة خطر المرض بنحو 45%، مع وجود إشارات إلى أن زيادة الوزن في المراهقة وبداية مرحلة البلوغ قد تكون ذات أهمية خاصة.

لكن هنا يجب الحذر من التفسير السهل. السمنة ليست السبب الوحيد، فسرطان القولون يصيب أيضا شبابا بوزن طبيعي، ورياضيين، وأشخاصا لا يعانون السكري أو اضطرابات أيضية واضحة. ومن ثم، يبدو أن السمنة عامل من العوامل وليس العامل الوحيد.


ماذا تغير في طعامنا؟
مشتبه به آخر هو النظام الغذائي الحديث، فخلال العقود الماضية ارتفع استهلاك اللحوم المصنعة والمشروبات المحلاة والحبوب المكررة والعديد من الأغذية فائقة التصنيع، بينما تحتوي أنماط غذائية كثيرة على كميات أقل من الألياف والحبوب الكاملة والبقول.

وبالنسبة لسرطان القولون والمستقيم عموما، توجد أدلة قوية على أن اللحوم المصنعة تزيد الخطر، في حين ترتبط الألياف والحبوب الكاملة بانخفاضه. كما أن النشاط البدني يوفر حماية إضافية.

أما الأغذية فائقة التصنيع، فقد وجدت دراسات رصدية كبيرة علاقة بين استهلاك كميات مرتفعة منها وزيادة سرطان القولون والمستقيم في بعض الفئات، لكن هذه العلاقة لا تثبت وحدها أن هذه الأغذية هي السبب المباشر.

ووجدت دراسة أخرى لدى النساء علاقة بين الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلاة بالسكر، ولا سيما خلال المراهقة، وارتفاع خطر سرطان القولون والمستقيم المبكر. لكنها أيضا دراسة رصدية، ولذلك يجب ألا نتعامل معها بوصفها دليلا نهائيا على السببية.

وقد يكون تأثير الغذاء أكثر تعقيدا من مجرد السعرات الحرارية؛ فهو يؤثر أيضا في الإنسولين والالتهاب، والأحماض الصفراوية، وسرعة مرور محتويات الأمعاء، وكذلك في تريليونات الميكروبات التي تعيش داخل القولون.

هل تحمل بعض البكتيريا مفتاح اللغز؟
وهنا نصل إلى واحد من أكثر الاكتشافات العلمية إثارة خلال السنوات الأخيرة. يعيش داخل الجهاز الهضمي مجتمع ضخم من البكتيريا والكائنات الدقيقة يعرف باسم الميكروبيوم المعوي.

هذه الميكروبات تتفاعل باستمرار مع الطعام والجهاز المناعي والخلايا المبطنة للقولون. وكان الباحثون يشتبهون منذ سنوات في أن اختلال هذا المجتمع الميكروبي قد يسهم في سرطان القولون.


لكن دراسة كبيرة نُشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) عام 2025 قدمت دليلا أكثر تحديدا، إذ حلل الباحثون جينومات (الحمض النووي) 981 ورما من 11 دولة، وبحثوا عن بصمات محددة من الطفرات في الحمض النووي يمكن أن تكشف عن التعرض لعوامل مسببة للطفرات.

ووجدوا بصمتين تعرفان باسم (SBS88) و(ID18)، تنتجان عن مادة تسمى الكوليباكتين (Colibactin)، وهي مادة سامة للجينات تنتجها بعض سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli) الموجودة في الأمعاء.

وكانت هذه البصمات أكثر شيوعا بـ 3.3 مرات لدى الأشخاص الذين شُخّصوا بالسرطان قبل سن الأربعين مقارنة بمن شُخّصوا بعد سن السبعين. كما بدا أن الضرر المرتبط بالكوليباكتين حدث في مرحلة مبكرة من تطور الورم، وارتبط بطفرات في جين "إيه بي سي" (APC) (يعمل بروتين "إيه بي سي" (APC) مثبطا للأورام)، وهو أحد أهم الجينات التي تبدأ فيها عادة رحلة تحول خلية القولون الطبيعية إلى خلية سرطانية.

وتزداد القصة إثارة لأن دراسة أخرى نُشرت في مجلة "نيتشر جينيتكس" (Nature Genetics) في أغسطس/آب 2026، ودرست سرطان القولون والمستقيم لدى مرضى في اليابان، وجدت أن البصمات الطفرية المرتبطة بالكوليباكتين كانت أكثر شيوعا لدى الأشخاص المولودين بعد الستينيات.

هذه النتائج تثير احتمالا مهما: هل يتعرض بعض الأشخاص خلال الطفولة أو الشباب لبكتيريا منتجة للكوليباكتين، فتترك في خلايا القولون طفرات قد تسهم بعد عقود في ظهور السرطان؟ إنها فرضية مثيرة، لكنها لا تزال فرضية.

فلا تعني هذه الدراسات أن الإشريكية القولونية (E. coli) تسبب سرطان القولون ببساطة، ولا أن كل شخص يحمل سلالة منتجة للكوليباكتين معرض للسرطان، ولا أن الكوليباكتين يفسر وحده ارتفاع المرض لدى الشباب. لكنها تقدم للمرة الأولى تقريبا رابطا بيولوجيا يمكن قياسه بين التعرض لبعض بكتيريا الأمعاء والعمر المبكر للإصابة بالسرطان.

وماذا عن المضادات الحيوية؟
أثار ذلك بدوره سؤالا آخر: ما الذي يجعل ميكروبيوم الأجيال الحديثة مختلفا؟ لقد دخل استخدام المضادات الحيوية ضمن العوامل التي يدرسها العلماء، لأنها قادرة على تغيير النظام الميكروبي داخل الأمعاء، وخصوصا عندما يحدث التعرض في أعمار مبكرة أو بصورة متكررة.

وبعض الدراسات وجدت ارتباطا بين استخدام المضادات الحيوية وسرطان القولون المبكر، لكن الأدلة الحالية لا تثبت أن المضادات الحيوية تسبب المرض، فهناك عوامل كثيرة يمكن أن تربك هذه العلاقة.

لذلك لا يوجد مبرر لتجنب مضاد حيوي يحتاج إليه المريض طبيا، وإنما تؤكد هذه المسألة مجددا أهمية عدم استخدام المضادات الحيوية بلا حاجة.

لا يوجد سبب واحد
قد يكون هذا هو مفتاح فهم الظاهرة، فمن غير المرجح أن نجد يوما عاملا واحدا ونقول: "هذا هو سبب ارتفاع سرطان القولون لدى الشباب". الأقرب أن المرض ينشأ من تفاعل طويل الأمد بين الاستعداد الجيني، والغذاء، والسمنة والتمثيل الغذائي، والنشاط البدني، والتدخين والكحول، والميكروبيوم، وربما عوامل بيئية لم نتعرف إليها بعد.


وقد تختلف الطريق المؤدية إلى السرطان من شخص إلى آخر. وهذا يفسر لماذا نجد مريضا شابا يعاني السمنة والسكري، وآخر نحيفا ورياضيا، وثالثا يحمل طفرة وراثية واضحة. النتيجة النهائية واحدة، لكن الطريق البيولوجي إليها قد يكون مختلفا.

المشكلة أن الشاب لا يتوقع السرطان.. والطبيب أيضا. هناك جانب آخر من المشكلة لا يتعلق بأسباب المرض، بل بسرعة اكتشافه. فالشخص في الثلاثين من عمره الذي يلاحظ دما في البراز قد يفترض أنه يعاني البواسير. وقد يُفسر ألم البطن بأنه قولون عصبي، أو يُنسب تغير عادات التبرز إلى النظام الغذائي. وأحيانا قد يكون الطبيب نفسه أقل ميلا إلى التفكير في السرطان لأن المريض صغير السن.

وقد أظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي لـ81 دراسة شملت أكثر من 24.9 مليون شخص دون الخمسين أن الأعراض الأكثر شيوعا لدى مرضى سرطان القولون والمستقيم المبكر كانت النزف مع البراز، وألم البطن، وتغير عادات التبرز. كما كان التأخر بين بداية الأعراض والتشخيص، والذي وصل غالبا إلى نحو 4 إلى 6 أشهر، شائعا.

ولذلك فإن وجود دم متكرر في البراز، أو فقر دم بسبب نقص الحديد من دون تفسير واضح، أو تغير مستمر في عادات التبرز، أو ألم بطني مستمر، أو فقدان وزن غير مفسر، يستوجب التقييم الطبي مهما كان العمر.

وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرا ما يختلطان: الفحص المبكر للأشخاص الأصحاء، وتشخيص شاب لديه أعراض، فالشخص الذي يعاني أعراضا إنذارية لا ينبغي أن ينتظر حتى يبلغ سن الفحص.


هل يحتاج كل شاب إلى تنظير القولون؟
لا. فالارتفاع النسبي في الإصابة لا يعني أن إجراء تنظير القولون لكل شاب أمر مبرر، لكن ارتفاع الحالات دفع بعض الدول إلى خفض سن بدء الفحص. ففي تحديثها لعام 2026 أعادت الجمعية الأمريكية للسرطان تأكيد توصيتها ببدء الفحص المنتظم للأشخاص ذوي الخطورة المتوسطة عند سن 45 عاما.

وقد يكون الفحص عن طريق اختبارات البراز أو تنظير القولون وغيرها من الوسائل المعتمدة، وفق النظام الصحي وحالة الشخص. أما الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي قوي، أو متلازمة وراثية مثل متلازمة لينش، أو أمراض التهابية مزمنة في الأمعاء، فقد يحتاجون إلى بدء المتابعة قبل ذلك.

ماذا نستطيع أن نفعل؟
لا يعرف العلماء حتى الآن لماذا يرتفع سرطان القولون والمستقيم المبكر بصورة كاملة، ولذلك فإن الادعاء بأن طعاما واحدا أو مادة واحدة أو بكتيريا بعينها هي المسؤولة سيكون سابقا لأوانه. لكن لدينا ما يكفي من الأدلة لاتخاذ إجراءات معقولة. الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني، وتناول نظام غذائي غني بالخضراوات والبقول والحبوب الكاملة والألياف، والحد من اللحوم المصنعة، وعدم التدخين، وتقليل أو تجنب الكحول، كلها ممارسات تقلل خطر سرطان القولون والمستقيم أو ترتبط بصحة أفضل عموما.

لكن ربما تكون الرسالة الأهم هي التخلي عن الفكرة القديمة القائلة إن سرطان القولون مرض كبار السن فقط. فهو ما يزال أقل شيوعا بكثير لدى الشباب، وبالتالي لا داعي إلى الذعر. لكن وجود عمر صغير لم يعد سببا كافيا لاستبعاد المرض عندما توجد أعراض مقلقة.

وفي الوقت نفسه، تقودنا الاكتشافات الحديثة إلى سؤال علمي أعمق من مجرد: "ماذا أكل هذا المريض؟".

السؤال الحقيقي ربما هو: ما الذي تغير في بيئة الأجيال الحديثة، منذ الطفولة، في غذائها واستقلابها وميكروبات أمعائها، بحيث أصبحت خلايا القولون أكثر عرضة للتحول السرطاني قبل عقود من العمر الذي اعتدنا أن نرى فيه هذا المرض؟ لا يملك العلم الإجابة الكاملة بعد. لكنه بدأ يقترب منها.

مواضيع قد تعجبك