*
الاحد: 20 أيلول 2026
  • 20 أيلول 2026
  • 22:21
لماذا لا تنتصر السعودية في اليمن بالسلام
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

في السياسة لا شيء اسمه عدو الى الابد ولا حليف الى الابد وهذه ليست فلسفة مثالية بل قاعدة من قواعد السياسة التي عرفتها المنطقة طويلا
السعودية نفسها تقدم لنا مثالا واضحا بالامس وقفت الى جانب الامام محمد البدر وهو امام زيدي في مواجهة الجمهورية التي قامت في شمال اليمن واليوم تقف في مواجهة الحوثيين وهم ينتمون الى البيئة الزيدية نفسها
فهل تغير المذهب
لا الذي تغير هو السياسة وموازين القوة والمصالح
بالامس كان الخطر الذي رأته الرياض يتمثل في الثورة الجمهورية والنفوذ المصري الناصري القريب من حدودها واليوم ترى في الحوثيين قوة عسكرية وسياسية مرتبطة بايران وقادرة على تهديد امنها ومصالحها
اذن القضية لم تكن يوما قضية زيدية وسنية بالبساطة التي يحاول البعض اختزال التاريخ بها انها قضية مصالح وامن ونفوذ وحدود وتوازنات اقليمية
لكن اذا كانت المصالح هي التي تحدد التحالفات فلماذا لا تعيد السعودية اليوم تعريف مصلحتها في اليمن ولماذا لا يكون الحوثي خصما يمكن احتواؤه بدلا من خصم يجب القضاء عليه
هذا هو السؤال الذي يستحق ان يطرح بصراحة
فاليمن ليس ارضا سهلة على الجيوش الخارجية والتاريخ اليمني يقول ان القوة الخارجية تستطيع ان تدخل لكنها لا تستطيع بسهولة ان تفرض نهاية للصراع وفق ارادتها وقد اثبتت السنوات الماضية ان التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على انتاج تسوية سياسية دائمة
ولهذا فان السؤال الواقعي ليس كيف تهزم السعودية الحوثيين بل كيف تجعل الحوثيين يكتشفون ان السلام مع السعودية اكثر فائدة لهم من الحرب عليها
هذه ليست دعوة الى التنازل عن الامن السعودي بل ربما تكون محاولة لحماية هذا الامن بطريقة اقل كلفة واكثر استدامة
يمكن للسعودية ان تفاوض من موقع القوة ويمكنها ان تطلب ضمانات لامن حدودها ويمكنها ان تشترط وقف الهجمات ويمكنها ان تربط الانفتاح الاقتصادي والسياسي بالتزامات امنية واضحة ويمكنها في الوقت نفسه ان تدفع نحو تسوية يمنية تمنع احتكار الحوثيين للسلطة كما تمنع تحويل اليمن الى ساحة مفتوحة للصراعات الاقليمية
فالاحتواء لا يعني الاستسلام والتفاوض لا يعني الضعف والسلام لا يعني ان يصبح الخصم صديقا بل يعني ان تتحول العلاقة من صراع مفتوح الى مصالح مضبوطة
وهنا تكمن الفكرة الاهم الدولة الذكية لا تبحث دائما عن تدمير خصمها واحيانا يكون انتصارها الحقيقي ان تجعل خصمها يحتاج الى استقرارها
ان تجعل التجارة والاستثمار واعادة الاعمار وفتح الحدود والمصالح الاقتصادية اكثر جاذبية من الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب عندها يصبح السلام ليس مجرد هدنة بل يصبح مصلحة مشتركة
وقد يكون هذا هو الطريق الاكثر واقعية امام السعودية في اليمن فاذا كان القضاء على الحوثيين غير واقعي واذا كان استمرار الحرب يحمل كلفة سياسية واقتصادية وامنية فلماذا لا تتحول المعادلة
لماذا لا تنتقل السعودية من محاولة كسر الحوثيين الى محاولة تغيير حساباتهم من استنزافهم الى احتوائهم ومن محاصرة نفوذهم الى اعادة تشكيله ومن سؤال من ينتصر في الحرب الى سؤال كيف تصبح الحرب نفسها بلا جدوى
هذه هي السياسة عندما تتجاوز منطق الثأر الى منطق الدولة فالدول لا تبحث عن الانتصار لمجرد الانتصار بل تبحث عن الامن باقل كلفة ممكنة ولا يشترط لتحقيق ذلك ان يحب الخصم السعودية يكفي ان تصبح مصلحته في استقرارها
وربما تكون المفارقة ان السعودية التي تحالفت بالامس مع امام زيدي يمكنها اليوم ان تبحث عن تفاهم مع حركة زيدية اخرى ليس لان التاريخ يعيد نفسه بل لان المصالح تعيد تشكيل نفسها
وفي النهاية قد لا تستطيع السعودية ان تربح حربا كاملة في اليمن لكنها تستطيع ربما ان تربح سلاما ناقصا والسلام الناقص الذي يحفظ الحدود ويوقف الصواريخ ويمنع الاستنزاف قد يكون في حسابات الدول اكثر قيمة من انتصار كامل لا يأتي
فاقوى دولة ليست بالضرورة التي تهزم خصمها بل التي تستطيع ان تجعل خصمها يرى ان استقرارها اصبح جزءا من مصلحته
 

مواضيع قد تعجبك