ما قاله النائب قاسم البقاعي في مقابلته على إذاعة «نون» ليس خبرا يمر بين أخبار الصباح إنه كلام يستحق أن تتوقف عنده الحكومة، وأن يُفتح بسببه نقاش وطني صريح حول بلد يتراجع في ملفات تمس حياة الناس ومستقبل أبنائهم.
أكثر من 200 ألف شاب فوق سن الأربعين بلا زواج، والأردن من الدول العربية الأعلى في نسب العزوف عن الزواج، ومن أكثرها في رغبة الشباب بالهجرة. وفي التعليم، ترتيبنا 79 من أصل 81 دولة على مقياس جودة التعليم العام، وفي فهم الرياضيات والفيزياء نحتل ذيل الترتيب العالمي، بينما نأتي في المرتبة 146 من أصل 180 دولة في حرية التعبير، وفق الأرقام التي أوردها النائب.
إذا كانت هذه الأرقام صحيحة، فماذا بقي حتى تعترف الحكومة بأن هناك أزمة؟
الشاب الذي يتخرج من الجامعة ثم يقضي سنوات يبحث عن وظيفة، أو يعمل في مطعم براتب لا يكفي أجرة غرفة، ليس رقما في تقرير. هو ابن هذه الدولة، وأحد الذين أنفقت أسرهم مدخراتها على تعليمه، ثم وجد نفسه عاجزا عن شراء أثاث غرفة أو دفع مقدم إيجار.
والشاب الذي تجاوز الأربعين ولم يتزوج، ليس بالضرورة رافضا للزواج كما يحب بعضهم أن يصوّره. ربما لا يستطيع أن يدفع إيجار بيت، أو أن يؤمّن علاجا، أو أن يتحمل فاتورة كهرباء وماء، أو أن يبدأ حياة أسرية وهو غارق في الديون.
أما الأم التي تذهب إلى المدرسة لتكتشف أن ابنها في الصف التاسع لا يستطيع فهم مسألة رياضية بسيطة، ثم تدفع من راتبها لدروس خصوصية، فهذه لا تحتاج إلى خطب عن تطوير التعليم. تحتاج إلى أن تعرف لماذا دفعت الدولة ملايين الدنانير على خطط تعليمية، ثم بقيت النتيجة بهذا السوء.
والصحفي الذي يكتب عن ارتفاع الأسعار، أو عن مشروع متعثر، أو عن عطاء يثير الشبهات، ثم يتردد قبل نشره لأنه يخشى أن يتحول السؤال إلى قضية، لا يعيش حرية تعبير حقيقية مهما قيل عن الانفتاح.
هذه ليست مسؤولية المواطن وحده، إنها مسؤولية الحكومات التي أدارت الاقتصاد والتعليم والإدارة العامة، ووضعت السياسات والبرامج، وطلبت من الناس الصبر جيلا بعد جيل للخروج من عنق الزجاجة .
لا يكفي أن تقول الحكومة إن هناك خططا ، نريد أن نعرف ماذا أنجزت هذه الخطط، ولماذا لم تنعكس على حياة الناس. لا يكفي الإعلان عن فرص عمل، بينما يظل الشاب يبحث عن وظيفة براتب يتيح له الزواج. ولا يكفي أن تتحدث عن إصلاح التعليم، بينما يبقى الطالب محتاجا إلى الدروس الخصوصية حتى ينجح.
والسؤال الأهم من نحاسب عندما تفشل السياسات؟ ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي تضيع من أعمار الشباب؟ وهل سنظل نغيّر الحكومات والوزراء، ثم نبدأ من الصفر، وكأن شيئاً لم يحدث؟
لسنا دعاة تشاؤم، ولا نريد أن نجلد الوطن. لكن التفاؤل لا يعني أن نغطي على الخلل، والوطنية لا تعني أن نصمت عندما يصبح المستقبل مهددا.
هذه الأرقام، إن صحت، يجب أن تستفز مجلس الوزراء والبرلمان وكل مؤسسات الدولة. نحتاج إلى دراسة جادة لأسبابها وآثارها على المجتمع، وإلى حلول قابلة للقياس والمحاسبة وليس تصريحات جديدة عن الإنجازات.
فالأردن لا يحتمل أن يبقى شبابه ينتظرون الوظيفة والزواج والهجرة، وطلابه يتراجعون في التعليم، ومواطنوه يترددون في الكلام، بينما تواصل الحكومات إدارة الأزمة بلغة الإنجاز.
المشكلة ليست أن الأردن بلا أمل المشكلة أن الأمل وحده لا يصنع مستقبلا، وأن الوقت الذي يضيع من عمر الشباب لا تعيده أي حكومة.



