لم تسقط أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر 2001.
سقط شيء أخطر: وهم العالم بأنه يعرف شكل الخطر تماما.
كانت الطائرة تبدو مثل كل الطائرات. تحمل بشرا، وحقائب، وتذاكر، وحياة عادية يُفترض أن تصل إلى وجهتها. ثم لم تصل.
منذ تلك اللحظة، لم تنزل تلك الطائرة من فوقنا أبدا!
منذ يومين فقط، وقف في نيويورك من يقرأون الأسماء كما يفعلون كل عام: ألفان وتسعمئة وسبعة وسبعون اسما، وستة أسماء أخرى من تفجير المركز نفسه عام 1993. جلس على المنصة أربعة رؤساء أمريكيين سابقين، بينهم جورج بوش الابن، الذي كان في البيت الأبيض حين وقع كل شيء. وبجانبهم وقف عمدة نيويورك الحالي، زهران ممداني، أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة.
طالبت عريضة وقّعها مئة ألف شخص بمنعه من الحضور. حضر رغم ذلك، وصافح رودولف جولياني، عمدة المدينة يوم الهجمات، أمام الكاميرات.
وقبل أيام من الذكرى، كشف ممداني عن مئة وسبعين ألف صفحة من وثائق محتجزة عقدين كاملين، تثبت أن مسؤولي المدينة طمأنوا سكانها إلى سلامة الهواء بعد سقوط البرجين، بينما كانت التقارير الداخلية تقول عكس ذلك تماما.
أكثر من أربعمئة ألف إنسان تعرضوا لتلك السموم. تسعة وأربعون ألفا منهم شُخّصوا لاحقا بسرطانات مرتبطة بغبار ذلك الصباح.
بعض ضحايا 11 سبتمبر لم يموتوا في 11 سبتمبر. ماتوا بعده بعشرين عاما، والطائرة نفسها ما زالت تحصد أرواحا حتى وهي محطمة منذ ربع قرن!
هذا كله وقع في ساعات قليلة صباح ذلك الثلاثاء: اصطدام الطائرتين الأولى والثانية ببرجي مركز التجارة العالمي وانهيارهما، وطائرة ثالثة ضربت البنتاغون، ورابعة سقطت في بنسلفانيا بعدما قاوم ركابها الخاطفين. تسعة عشر رجلا فقط، حوّلوا تذاكر الصعود إلى سلاح، وقتلوا في تلك الساعة الواحدة أكثر ممن قُتلوا في بيرل هاربر.
ثم بدأ العالم كله يعيد ترتيب نفسه حول ذلك الصباح، ولم يتوقف بعد!
في السابع من تشرين الأول 2001، بدأت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان. سقط حكم طالبان خلال أسابيع. لكن الحرب التي بدأت لتسقط نظاما، امتدت عشرين عاما كاملة، لتنتهي في آب 2021 بانسحاب أمريكي وصف بالمتسرع، وعودة طالبان إلى كابول من الباب نفسه الذي خرجت منه.
حرب بدأت لإسقاط حكم، وانتهت بعودته!
وفي 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، رغم أنه لم يكن له أي صلة مثبتة بهجمات سبتمبر. لم تُوجد أسلحة الدمار الشامل التي بُررت بها الحرب. لكن الفراغ الذي خلّفته لم يمتلئ إلا بتنظيم أشد خطرا من الذي جاءت لمحاربته: تنظيم الدولة الإسلامية!
أرادت واشنطن أن تقتل تنظيما، فولّدت تنظيما أكبر منه!
والرقم الذي يكشف حجم الحكاية أكثر من أي خطاب هو رقم مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون: نحو 940 ألف قتيل مباشر بفعل العنف الحربي في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن، إضافة إلى ما بين 3.6 و3.8 مليون قتيل غير مباشر، بسبب انهيار الاقتصادات وأنظمة الصحة والبنية التحتية. المجموع: ما لا يقل عن 4.5 مليون إنسان.
أربعة ملايين ونصف المليون، لا ثلاثة آلاف فقط!
وثمانية تريليونات دولار كلفة مباشرة، وما بين 2.2 و2.5 تريليون دولار إضافية لرعاية المحاربين القدامى حتى عام 2050، وثمانية وثلاثون مليون إنسان نزحوا قسرا من بيوتهم بسبب هذه الحروب.
هذا هو الذيل الحقيقي لطائرتين اصطدمتا ببرجين!
لم يكن العالم العربي والإسلامي مجرد مراقب لكل هذا، بل كان الساحة التي دارت فيها معظم فصوله. وفي الغرب، تحوّل ملايين المسلمين والمهاجرين من دول ذات أغلبية مسلمة إلى هدف متزايد لخطاب الكراهية، رغم أنهم لم يكن لهم أي صلة بما وقع في ذلك الصباح.
الإرهابي الذي قتل باسم الإسلام لم يكن يمثل إلا نفسه. لكن الأبرياء هم من دفعوا ثمن صوته.
وكان الأردن، منذ الساعات الأولى، من أوضح من قال ذلك بلا مواربة. ففي الثامن والعشرين من أيلول 2001، بعد أسبوعين فقط من الهجمات، استقبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الملك عبدالله الثاني في المكتب البيضاوي، وقال الملك أمام الكاميرات إن ما يمثله هؤلاء الإرهابيون يتعارض كليا مع كل ما يؤمن به العرب والمسلمون، وإن العالم سيرى جبهة موحدة في مواجهتهم.
وبعد أسابيع، في مقابلة مع بي بي سي في التاسع من تشرين الثاني، ذهب الملك إلى ما هو أعمق من الإدانة، حين قال إنه لا وجود لما يسمى إسلاما معتدلا وآخر متطرفا؛ هناك الإسلام، وهناك متطرفون يخونونه، وإن لم يكن العالم يميز بينهما بوضوح، فالمسلمون أنفسهم سيصبحون الهدف التالي لهؤلاء المتطرفين قبل أي أحد آخر.
كانت تلك، منذ اليوم الأول تقريبا، هي المعادلة التي احتاجها الأردن أكثر من غيره: الإرهاب ليس الإسلام، والإسلام ليس الإرهاب، والعربي ليس متهما لمجرد أنه عربي.
لكن الأردن، الذي لم يكن هدفا مباشرا لتلك الهجمات، وجد نفسه مع ذلك يعيش تبعاتها القاسية على مدى خمسة وعشرين عاما: حدودا مضطربة، وموجات لجوء متكررة من حروب أعادت الحرب على الإرهاب رسم خرائطها، واقتصادا يهتز كلما اشتعلت جبهة إقليمية جديدة.
وهو اليوم بالذات، بينما تكتب هذه السطور، يراقب بقلق تبعات حرب إقليمية جديدة على أسعاره وكلفة طاقته. بحكم أنه يعرف، من تجاربه الطويلة، أن جغرافيته لا تسمح له بأن يكون بعيدا عن نار تشتعل حوله.
فمنذ الثامن والعشرين من شباط 2026، تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مفتوحة على إيران، وعد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها لن تتجاوز ثلاثة أو أربعة أسابيع.
مرّ عليها الآن أكثر من ستة أشهر!
سقط للولايات المتحدة فيها نحو سبعمئة وأربعة وسبعين إصابة، من بينها ثمانية عشر قتيلا. أُغرقت فرقاطة إيرانية بغواصة أمريكية، في أول عملية إغراق كهذه منذ الحرب العالمية الثانية. وتحدثت تقارير بريطانية عن أضرار بالقواعد الأمريكية في المنطقة تتراوح بين أربعة وتسعة مليارات دولار.
حرب وُعد الناس بأنها أسابيع، فصارت أشهرا بلا أفق واضح، تماما كما وُعدت أفغانستان يوما بأنها ستكون أسابيع.
التاريخ لا يكرر نفسه حرفيا، لكنه أحيانا يقتبس من نفسه بدقة مزعجة تصل حد السخرية!
ولم يكن العالم بعد كل هذا أكثر أمانا فقط؛ كان أيضا أكثر مراقبة.
بعد 11 سبتمبر، اتسع تعريف الأمن نفسه: صار كاميرا، وبصمة، وقاعدة بيانات، وصلاحيات استثنائية دخلت المطار، ثم البيت، ثم الهاتف الذي يحمله كل واحد منا اليوم.
الخوف من أن تختفي الدولة جعل الدولة أكبر بكثير مما كانت.
ومع ذلك، وفي وسط أكبر مشهد للرعب في ذلك الصباح، كان هناك رجال إطفاء وشرطة وأطباء يصعدون الدرج بينما كان الجميع يهبط هاربا. أراد الإرهاب أن يثبت أن الإنسان يستطيع أن يقتل الإنسان، فردّ عليه آلاف البشر في اليوم نفسه بأن الإنسان يستطيع أيضا أن ينقذ الإنسان.
وربما تلك كانت أعظم هزيمة أخلاقية تلقاها ذلك اليوم.
بعد خمسة وعشرين عاما، لم يعد السؤال: هل انتصر الإرهاب؟ الإجابة معروفة: لا. قُتل بن لادن، وتفككت بنية التنظيم الذي نفذ الهجمات، ولم تسقط أمريكا ولا الدولة الحديثة.
لكن الإرهاب لا يحتاج أن ينتصر عسكريا كي يترك أثرا تاريخيا. يكفيه أحيانا أن يدفع خصمه إلى قرارات تخدم جزءا من غايته: حروب أطول، وخوف أكبر، وثقة أقل بين الناس والدول.
قد يهزمك عدوك بالسلاح، وقد تهزمه أنت بالسلاح، لكنك قد تساعده على الانتصار عليك إن فقدت بوصلتك بعد أن تنتصر عليه.
اليوم، جيل كامل وُلد بعد ذلك الصباح، ويعرفه من الأرشيف لا من الذاكرة. لكنه يعيش نتائجه كل يوم: في طوابير المطارات، وفي كاميرات كل زاوية، وفي فاتورة وقود ترتفع لأن حربا جديدة اشتعلت على بعد آلاف الأميال.
والسؤال الذي تركته تلك الطائرات لنا لم يكن أبدا: ماذا حدث في ذلك الصباح؟ نحن نعرف ماذا حدث.
السؤال: ماذا فعلنا نحن، طوال خمسة وعشرين عاما، بكل ما حدث؟
الطائرة لم تكن هي العدو يوما. الإنسان هو من قرر كيف يستخدمها، كما قرر كيف يستخدم القوة والخوف والقانون بعدها.
وحتى تقرر البشرية أخيرا أن تنزل، ستبقى تلك الطائرة محلّقة فوقنا جميعا، تبحث عن مطار لم يُبنَ بعد!



