*
السبت: 12 أيلول 2026
  • 12 أيلول 2026
  • 16:08
مفاجأة علمية تقلب حقيقة عمرها قرن

خبرني - اكتشاف جديد يوضح أن بكتيريا شائعة في رئات الإنسان أكثر قدرة على تحمّل الأكسجين مما اعتقد العلماء طوال 100 عام، في نتيجة قد تعيد رسم فهمنا لبقاء الميكروبات داخل الجهاز التنفسي ودورها في الصحة والمرض.

لطالما اعتقد علماء الأحياء الدقيقة أن بعض البكتيريا لا تستطيع البقاء في البيئات الغنية بالأكسجين، ولذلك صُنّفت بريفوتيلا ميلانينوجينيكا ، وهي من البكتيريا الشائعة في الجهاز التنفسي، ضمن فئة «اللاهوائيات الإجبارية»، أي الكائنات الدقيقة التي يُفترض أنها لا تستطيع العيش في وجود الأكسجين.

لكن دراسة جديدة من جامعة ميشيغان قلبت هذه الفرضية رأسًا على عقب، بعدما أظهرت أن هذه البكتيريا تستطيع النمو في مستويات من الأكسجين أعلى بكثير مما كان متوقعًا، بل ويمكنها تحمّل التعرض لفترات قصيرة لمستويات تصل إلى تلك الموجودة في الهواء.

يضم جسم الإنسان أكثر من 35 تريليون بكتيريا موزعة في مجتمعات ميكروبية معقدة تشمل الأمعاء والفم والجلد والجهاز البولي التناسلي والرئتين.

وخلال السنوات الأخيرة، أدرك العلماء بصورة متزايدة أن هذه الميكروبات ليست مجرد كائنات تعيش داخل الجسم، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة والمرض. ومع ذلك، لا يزال الكثير من أسرارها مجهولًا، خصوصًا ما يتعلق بكيفية بقائها وتفاعلها مع أنسجة الجسم وجهاز المناعة.

وهنا تبرز المفارقة التي دفعت فريق الباحثين في جامعة ميشيغان إلى إعادة النظر في واحدة من المسلّمات القديمة.

فبكتيريا بريفوتيلا ميلانينوجينيكا توجد بصورة طبيعية في الجهاز التنفسي لدى الأشخاص الأصحاء، كما تظهر بمستويات مختلفة لدى المصابين بأمراض تنفسية مزمنة، من بينها الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD).

الرئات السليمة
وتشير الدراسة إلى أن هذه البكتيريا تمثل نحو 10  % من المجتمعات الميكروبية في الرئات السليمة، وترتفع النسبة إلى نحو 13  % في المتوسط لدى المصابين بأمراض الجهاز التنفسي.

لكن إذا كانت هذه البكتيريا «لاهوائية إجبارية» لا تتحمل الأكسجين، فكيف تستطيع الاستقرار في بيئة مثل الرئة؟

هذا السؤال كان نقطة البداية.

تجارب
قادَت أريأنجيلا كوزيك، الأستاذة المساعدة في قسم الطب الباطني بكلية الطب في جامعة ميشيغان، إلى جانب فريقها، سلسلة من التجارب لاختبار مدى قدرة P. melaninogenica على تحمل الأكسجين.

عرّض الباحثون مزارع البكتيريا لتركيزات متزايدة من الأكسجين، ثم راقبوا قدرتها على النمو والبقاء.

وجاءت النتائج صادمة وهي أن البكتريا استطاعت النمو عند تركيزات أكسجين تراوحت بين 5% و8%، كما تمكنت من البقاء لفترة قصيرة عند مستويات وصلت إلى 21% من الأكسجين، وهي النسبة الموجودة تقريبًا في الهواء الذي نتنفسه.

ولم تتوقف المفاجأة عند حدود قدرة البكتيريا على التحمل. فقد استخدم الباحثون منصة استشعار جديدة تعمل في الوقت الفعلي، إلى جانب تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA sequencing)، للكشف عن الطريقة التي تستجيب بها البكتيريا للأكسجين.

وأظهرت النتائج دلائل على أن Prevotella قد تكون قادرة على استهلاك الأكسجين، إضافة إلى امتلاكها آليات للتعامل مع الإجهاد التأكسدي وتلف الحمض النووي بطريقة تختلف عن كثير من البكتيريا الهوائية الأخرى.

تقول كوزيك إن النتائج تكشف عن مجموعة من الآليات التي تمكّن Prevotella من البقاء في بيئات تحتوي على الأكسجين، وهي آليات لم تكن معروفة أو مقدّرة بشكل كافٍ لدى هذا النوع من البكتيريا.

وبذلك، لا تقتصر أهمية الدراسة على اكتشاف خاص ببكتيريا واحدة، بل قد تمتد إلى الطريقة التي يصنف بها العلماء قدرة البكتيريا على التعامل مع الأكسجين.

فبدلًا من النظر إلى البكتيريا باعتبارها إما «هوائية» أو «لاهوائية»، تشير النتائج إلى أن تحمّل الأكسجين قد يكون طيفًا متدرجًا ومرنًا، وليس مجرد تصنيف ثنائي صارم.

وهذا التحول في النظرة قد يدفع الباحثين إلى إعادة فحص أنواع أخرى من البكتيريا التي جرى تصنيفها تاريخيًا باعتبارها غير قادرة على تحمل الأكسجين.

المرحلة المقبلة
تعتزم مجموعة كوزيك في المرحلة المقبلة دراسة كيفية تفاعل جهاز المناعة مع هذه البكتيريا، إلى جانب فحص المجتمعات الميكروبية الموجودة في الرئتين بصورة أكثر تفصيلًا.

ويريد الباحثون معرفة المواد الأيضية التي تنتجها هذه الميكروبات، والإشارات التي ترسلها إلى جهاز المناعة، وكيف يستجيب الجسم لها، وما إذا كان هذا النشاط يختلف بين الرئات السليمة والرئات المصابة بأمراض مزمنة.

وترى كوزيك أن فهم هذه العلاقات بين البكتيريا والجسم قد يفتح مستقبلًا الباب أمام علاجات أكثر دقة واستهدافًا، خصوصًا في الأمراض التنفسية المزمنة.

لكن الطريق لا يزال طويلًا؛ فالعلاقة بين ميكروبات الرئة والجسم تمثل، بحسب الباحثين، واحدة من أكبر «الصناديق السوداء» التي لم يفك العلماء أسرارها بالكامل حتى الآن.

تصحيح
قد تبدو النتيجة للوهلة الأولى مجرد تصحيح لتصنيف بكتيريا معروفة، لكنها تحمل دلالة أوسع بكثير، فإذا كانت البكتيريا التي اعتُبرت لعقود غير قادرة على تحمل الأكسجين تستطيع بالفعل التكيف معه واستخدام آليات معقدة للبقاء، فإن ذلك يفتح سؤالًا أوسع حول مدى دقة التصنيفات التقليدية التي يعتمد عليها العلماء لفهم ميكروبات جسم الإنسان.

وربما تكون رئاتنا أكثر تعقيدًا ميكروبيًا مما كنا نتصور، وربما تحمل البكتيريا التي تعيش فيها أدوارًا لم نبدأ بعد في اكتشافها.

بعبارة أخرى، ما اعتُبر حقيقة علمية مستقرة طوال قرن قد يكون مجرد جزء من القصة.

مواضيع قد تعجبك