*
الاربعاء: 09 أيلول 2026
  • 09 أيلول 2026
  • 12:59
لماذا قد يكون اتساخ يديك أمراً جيداً بالنسبة لك

خبرني - وضع أيدينا في التربة ولمس العشب أو الأشجار أو الطحالب، يوفر مجموعة واسعة من الفوائد الصحية لبشرتنا وجهازنا المناعي بشكل عام.

أمارس يومياً السير طويلاً في أقرب منتزه إليّ، كأنه طقس ديني، هناك الكثير من أنواع الأشجار المختلفة التي يمكن النظر إليها، وتشكيلة متغيرة من الأزهار العطرة في الربيع. وتملأ أصوات الطيور الحماسية الأجواء، لكن التجربة الحسية تتوقف عادة عند ذلك، ومهما اتسخ حذائي، أعود إلى المنزل عادة ويداي نظيفتان.

لكن الأبحاث تشير إلى أن هناك ما يدعو إلى مدّ اليد للمس الأشجار والشجيرات والتربة التي أمرّ بها عادة أثناء المشي، إذ طلبت الباحثة في مجال الصحة والطبيعة في المعهد الفنلندي للبيئة ميرا غرونروس، من أشخاص أن يفركوا أيديهم بالتربة والخث والطحالب لمدة 20 ثانية كجزء من تجربة، ووجدت أن وفرة وتنوع الميكروبات على بشرتهم قد ازداد، حتى بعد غسل أيديهم بالماء، وتقول: "بدت (أيديهم) نظيفة بالعين المجردة، لكن التغيير كان هائلاً".

وجود المزيد من البكتيريا على بشرتنا قد لا تبدو فكرة جذابة، لكن عند وجود مجموعة غنية من الميكروبات تعيش جنباً إلى جنب، فإنها تُبقي بعضها بعضاً تحت السيطرة وتدافع عنا ضد البكتيريا الأكثر ضرراً والمسببة للأمراض. وتُظهر المزيد من الأبحاث أن ملامسة المواد الطبيعية، مثل التربة والنباتات، هي وسيلة سهلة لتعزيز التنوع الميكروبي لبشرتنا، وأن هذا لا يفيد بشرتنا فحسب، بل يفيد أيضاً جهازنا المناعي.

عشرون ثانية ليست مدة طويلة، وسأكون سعيدة بالتوقف أثناء نزهتي للمس بعض قشور الأشجار أو الجلوس على العشب. لكن غرونروس تقول إن مدة أطول ستكون أفضل بكثير، فبحسب تجربتها "عادت ميكروبات الجلد بسرعة كبيرة إلى حالة مماثلة لما كانت عليه من قبل". وتشير النتائج إلى أن الاتصال المطول أو المتكرر للطبيعة بالجلد قد يغير بصورة كبيرة ما يحدث على بشرتنا وفي أجسامنا.
اللعب في الوحل

الأيدي المتسخة هي القاعدة بالنسبة للأطفال في مركز"أورينكولينا" للرعاية النهارية في وسط فنلندا، إذ يقضي الأطفال ما لا يقل عن ساعتين يومياً في اللعب في الخارج في ساحة لعب مشجرة، يركضون بين الشجيرات والأشجار، ويتسلقون الحبال، ويبنون قلاعاً من الرمل، ويرشّون الماء في البرك، ويقبضون على حفنات من التراب ورقائق الخشب.

وبحلول نهاية كل يوم يغطي الوحل الأطفال من الرأس إلى القدمين. ويدرس العلماء في الوقت الحالي، كيف يمكن أن يكون ذلك مفيداً لصحتهم. ومن خلال تحليل الميكروبات الموجودة على جلد الأطفال ولعابهم وبرازهم، إلى جانب عينات الدم والشعر، يدرس الباحثون ماذا يحدث لأجهزتهم المناعية على مدى ثلاث سنوات، عندما تُحضر الطبيعة إلى الساحات التي يلعبون فيها كل يوم.

ويُعد أورينكولينا، واحداً من بين 43 مركزاً للرعاية النهارية في فنلندا يشارك في مشروع "فاشفيتو" البحثي، الذي يستند إلى دراسة حديثة استمرت عامين بإشراف عالمة البيئة ماريا روزلوند.
وفي عامي 2016 و2017، جلبت روزلوند أرضية من الغابة إلى ساحة أحد مراكز الرعاية النهارية، بما في ذلك الخث وصناديق تستخدم للزراعة، وقاست التأثير في بكتيريا الجلد واللعاب والأمعاء لدى الأطفال الصغار بعد أن لعبوا هناك بانتظام لمدة 28 يوماً، وأعادت التجربة بعد عام. وبالمقارنة مع الأطفال الذين لعبوا في ساحة مرصوفة، كان لدى أولئك الذين لعبوا على أرضية الغابة تنوع ميكروبي أوسع على بشرتهم بعد عام.

هذا التنوع مهمّ لصحة بشرتنا، وتقول روزلوند إن زيادة تنوع البكتيريا على الجلد يمكنها أن تمنع البكتيريا المسببة للأمراض من الهيمنة، مما يحافظ على توازن المجتمع الميكروبي، وتضيف: "المرض يشبه الديكتاتور، والجلد الصحي يشبه الديمقراطية".

وكشفت أبحاث روزلوند عدداً أقل من مسببات الأمراض المحتملة على جلد الأطفال، حين كانوا يلعبون على أرضية الغابة، على الأرجح لأن عدد وتنوع الميكروبات الأخرى يزاحمان هذه البكتيريا "السيئة"، وذلك "لأن هناك الكثير من كل شيء آخر (الميكروبات)، لا توجد مساحة كبيرة لمسببات الأمراض".
بشرة صحية، جسم صحي

العناية ببشرتنا لها فوائد أعمق بكثير، إذ يمكن لصحة الجلد أن تؤثر في النشاط الهرموني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وحتى في الوظيفة الإدراكية. وعلى وجه الخصوص، بدأت الأبحاث تُظهر أن تعريض بشرتنا لبكتيريا متنوعة يمكن أن يؤثر في جهازنا المناعي.

طلبت روزلوند من مجموعة أطفال صغار أن يلعبوا في صندوق رمل مليء بتربة متنوعة ميكروبياً، ولعبت مجموعة أخرى في صندوق رمل بدا مماثلاً لكنه احتوى على تنوع ميكروبي أقل. وكما قد نتوقع، ازداد تنوع أنواع معينة من البكتيريا على جلد الأطفال عندما لعبوا في صندوق الرمل الغني بالميكروبات. لكن حدثت أيضاً تغيرات في مؤشرات المناعة، التي تُسمى السيتوكينات، في عينات دم هؤلاء الأطفال التي تدعم التنظيم المناعي، أي قدرة الجهاز المناعي على التصدي للتهديدات من دون أن يصبح مفرط النشاط.
هذه النتائج وأخرى مماثلة هي التي ألهمت مشروع "فاشفيتو"، وساعد التمويل الحكومي في تحويل الباحة في مركز "أورينكولينا" لضم رقائق خشب بدلاً من الحصى، ومنطقة رملية أوسع، وممرات خشبية، إلى جانب أشجار البتولا والصنوبر التي كانت موجودة.

الأبحاث التي يستند عليها مشروع "فاشفيتو" تدعم ما يُعرف بفرضية التنوع البيولوجي، أي فكرة أن الهواء والنباتات والتربة الغنية بميكروبات متنوعة لها تأثير مهم في الميكروبيوم البشري، وبالتالي في صحتنا، وطرحت منذ زمن طويل، الفرضية القائلة إنّ فقدان التنوع البيولوجي في بيئتنا قد يكون سبباً في الارتفاع الحالي للحالات المرتبطة بالمناعة، وربما تساعد أبحاث روزلوند في تفسير كيف ولماذا يحدث ذلك.

ووجدت روزلوند أن إحدى فصائل البكتيريا - غاما بروتيوباكتيريا - تؤدي دوراً مهماً بشكل خاص، وأن تنوعها ازداد على جلد الأطفال عندما لعبوا في الباحة التي تضم أرضية الغابة، وارتبط هذا الارتفاع بزيادة الخلايا "التائية التنظيمية"، وهي خلايا دم بيضاء تساعد على التحكم في الجهاز المناعي وتحقيق توازنه، كما أنها مهمة للوقاية من أمراض المناعة الذاتية، وفق ما قالت.

وفي الوقت الحالي، ليس من الواضح تماماً ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للأمراض المتواسطة بالمناعة مثل الإكزيما أو الربو أو الحساسية.

وتقول الباحثة في مجال الصحة والطبيعة في المعهد الفنلندي للبيئة ميرا غرونروس،: "لا يمكننا بعد القول إنك لن تصاب بالربو عندما تكون على اتصال بالطبيعة، على سبيل المثال. لكن يبدو أنّ ذلك قد يقلل احتمال الإصابة بتلك الاضطرابات المناعية".

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك