*
الثلاثاء: 08 أيلول 2026
  • 08 أيلول 2026
  • 12:27
تلفزيون الوطن هوية لا تُباع
الكاتب: د. بثينة محادين

قد نختلف حول أداء مؤسسة ما، وقد نطالب بتطويرها وتجديد أدواتها ومواكبتها لزمن تغيّرت فيه وسائل الإعلام، وهذا حق مشروع، بل وضرورة. لكن هناك مؤسسات لا يصح أن ننظر إليها فقط من زاوية الأرقام والعائدات؛ لأن قيمتها تتجاوز لغة السوق، والتلفزيون الأردني واحد منها.فمنذ تأسيسه، لم يكن مجرد شاشة تعرض الأخبار والبرامج، بل كان حاضراً في تفاصيل الحياة الأردنية، رافق الناس في أفراحهم وأحزانهم، ووثّق محطات من تاريخ الدولة، وترك في ذاكرة أجيال صوراً وأصواتاً لا يمكن اختزالها في ميزانية أو رقم. ولهذا، فإن الحديث عن تطويره يجب أن يبدأ من الاعتراف بقيمته، لا من التقليل منها.
أنا مع العاملين فيه، ومع كل فكرة تمنحه فرصة ليكون أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الإعلامي الجديد؛ مع تجديد أدواته، وتطوير برامجه، والاستثمار في طاقات شبابه، وإعادة بناء علاقته بالمشاهد الأردني. لكن التطوير شيء، والتخلي عن المؤسسة شيء آخر.
ولعل أبسط ما يشرح ذلك علاقتنا بأبنائنا: إذا تعثر ابنك، أو احتاج إلى تقويم وإرشاد، لا تتخلى عنه لأن أداءه لم يكن كما تريد؛ بل تقترب منه أكثر، تفهم مكامن الخلل، وتساعده على أن يصبح أفضل؛ لأن قيمة الابن لا تُختزل في لحظة ضعف، ولا تُقاس علاقته بك بمنطق الربح والخسارة. وهكذا ينبغي أن ننظر إلى مؤسساتنا الوطنية.
إذا كان التلفزيون الأردني يحتاج إلى إصلاح فلنصلحه، وإذا تأخر عن العصر فلنمنحه أدواته، لكن لماذا يكون أول ما نفكر فيه عند مواجهة التحديات هو التخلي؟ 
في زمن تتكاثر فيه المنصات والشاشات، تبقى الحاجة قائمة إلى إعلام يعرف الأردن من الداخل، ويحفظ ذاكرته، ويمنح قصته مساحة تُروى بلغته وبعيون أبنائه. 
لسنا بحاجة إلى تلفزيون يعيش على أمجاده، كما أننا لسنا بحاجة إلى مؤسسة تفقد هويتها كي تثبت أنها قادرة على التطور؛ بل نحتاج إلى تلفزيون جديد في أدواته، قريب من الناس، ومخاطب للأجيال الجديدة من دون أن يقطع صلته بتاريخه.لذلك، نعم، فلنختلف حول الأداء، ولننتقد، ولنطالب بالإصلاح؛ لكن ليكن اختلافنا من أجل أن يبقى التلفزيون ويصبح أفضل، لا من أجل أن يغيب. 
فتلفزيون الوطن لا يحتاج إلى شهادة وطنية من أحد، تاريخه يشهد له، والعاملون فيه جزء من هذا التاريخ.
قد تتغير الإدارة، وتتغير البرامج والأدوات، لكن المؤسسة التي تحمل ذاكرة بلد لا ينبغي أن تكون  التحديات سبباً للتخلي عنها.
تلفزيون الوطن ليس مجرد شاشة—إنه جزء من ذاكرة الأردن. ولهذا، فإن المطلوب ليس أن نتخلى عنه، بل أن نعيد إليه قدرته على أن يكون كما يجب أن يكون: صوتاً للأردن، وصورةً عنه، وذاكرةً لا تُباع.

مواضيع قد تعجبك