العصر الروماني - العصر الذهبي 63 ق.م - 324 م*
من هنا تبدأ جرش الحقيقية. كل ما قبله كان مقدمة، وكل ما بعده كان ذكرى لهذا العصر. 387 سنة حولت قرية جبلية على وادي الذهب إلى روما الثانية في الشرق.
: لماذا جاء الرومان إلى جرش؟
الرومان لم يأتوا إلى جرش حباً في جمالها. جاءوا طمعاً.
في سنة 63 ق.م، كان الشرق الأوسط فوضى. الأنباط في الجنوب، اليهود في القدس، اليونانيون يتقاتلون على بقايا إمبراطورية الإسكندر. فأرسلت روما جنرالها الأقوى "بومبي الكبير" ليقول كلمة واحدة: كفى.
بومبي لم يحتل، هو نظم. ضم كل هذه المنطقة وسماها "سوريا الرومانية" واخترع فكرة عبقرية اسمها الديكابولس - حلف المدن العشر. عشر مدن يونانية ثقافتها يونانية لكن حمايتها رومانية. وجرش كانت جوهرة هذا العقد.
لماذا جرش؟ لأنها كانت تملك ما لا تملكه الصحراء: ماء دائم من وادي الذهب، قمح جلعاد، وغابات بلوط لصناعة الخشب، وموقع يحمي طرق التجارة بين دمشق وعمان والقدس.
1. بومبي وضم جرش للإمبراطورية
دخل بومبي جرش دون حرب كبيرة. أهلها اليونان رحبوا به لأنه خلصهم من اليهود والأنباط. أعطاهم حكماً ذاتياً، عملة خاصة، ومجلس شيوخ. مقابل شيء واحد: الولاء لروما ودفع الضرائب.
من هنا بدأ اسمها الجديد: جراسا - Gerasa المدينة الرومانية.
2. ازدهار الديكابولس وطريق تراجان
العصر الذهبي الحقيقي لم يبدأ مع بومبي، بل بعد 170 سنة، مع الإمبراطور تراجان.
تراجان قرر أن يبني طريقاً لا يموت: Via Trajana Nova - الطريق الجديد المرصوف بالحجر من بصرى الشام إلى العقبة، يمر من وسط جرش.
تخيل: لأول مرة في التاريخ، القوافل التي تحمل الحرير والبهارات من الشام إلى البحر الأحمر تمر من شارع الأعمدة. الجمارك تؤخذ هنا. التجار ينامون هنا. الذهب يبقى هنا.
هذا الطريق جعل جرش أغنى من عمان ودمشق في ذلك الوقت. سكانها وصل إلى 25 ألف نسمة، وهو رقم ضخم جداً لمدينة جبلية في ذلك الزمان.
3. العمارة: كيف بنوا الجنة بالحجر
الروماني لا يقول أنا غني، هو يبني مبنى ليقول ذلك. وفي جرش بنوا جنوناً لا يزال واقفاً إلى اليوم:
شارع الأعمدة - الكاردو: 800 متر طول، 500 عمود على الجانبين. هو المول التجاري اليوم. على يمينه ويساره كانت المحلات، والمصارف، والحمامات. إذا مشيت فيه اليوم فأنت تمشي في شارع عمره 2000 سنة لم يتغير.
قوس هادريان: بني سنة 130م احتفالاً بزيارة الإمبراطور هادريان نفسه لجرش. لم يكن باباً للمدينة، كان دعاية سياسية: انظروا، الإمبراطور زارنا نحن ولم يزر غيرنا.
معبد زيوس ومعبد أرتميس: زيوس كبير الآلهة على التل، وأرتميس حامية المدينة. معبد أرتميس وحده استغرق بناؤه 50 سنة. 12 عمود ارتفاع كل واحد 13 متراً. كانوا يعبدونها لأنها تحمي القوافل والولادات. الدين كان اقتصاداً.
المسرحان والهيبودروم: المسرح الجنوبي يسع 3000 متفرج للموسيقى والشعر، والمسرح الشمالي يسع 1600 لمجلس الشيوخ. والهيبودروم - الملعب - يسع 15 ألف متفرج لسباق العربات. شعب مرفه يحتاج ترفيه.
4. الاقتصاد والمياه والحمامات التي فصلها شارع الإسفلت اليوم
الرومان كانوا عباقرة ماء. جرش فيها وادي ونبع، لكنهم لم يكتفوا. بنوا قناتين حجريتين من 10 كيلومتر تجلب الماء من القرى، وخزانات ضخمة تحت الأرض، ونظام مجاري تحت شارع الأعمدة لا يزال يعمل إلى اليوم.
أما المأساة: الحمامات الشرقية والغربية. كانت منتجعات كاملة: ماء ساخن، ماء بارد، ساونا، مكتبة، قاعة رياضة. اليوم يفصلها شارع الإسفلت الحديث الذي شق المدينة الأثرية نصفين. الحمامات الغربية أصبحت تحت بيوت جرش الحديثة.
اقتصادهم كان: زيت زيتون جلعاد، قمح، خشب، وضرائب الطريق.
5. المجتمع والديانة الوثنية في جرش
من كان يسكن جرش؟ ليس الرومان. الرومان كانوا 200 جندي وإداري فقط. السكان كانوا خليط: يونانيون، آراميون، أنباط، يهود، وقبائل عربية من جلعاد.
لغتهم يونانية، عملتهم رومانية، وآلهتهم هجينة. كانوا يعبدون زيوس ويسمونه "زيوس الجلعادي" ليرضوا السكان المحليين. وكانوا يحتفلون بعيد الربيع بذبح ثور لأرتميس ويرقصون رقصاً عربياً بدوياً.
كان مجتمعاً منفتحاً، غنياً، وثنياً، يحب الحياة. لا مساجد، لا كنائس، بل معابد وبخور وخمر ومسرح. وهذا بالضبط ما جعله يزدهر، قبل أن يأتي عصر جديد سيغير كل شيء: العصر البيزنطي المسيحي.
الخلاصة: العصر الروماني علمنا درساً واحداً عن جرش: إذا فتحت طريقك للعالم، يأتيك العالم بذهبه. وإذا أغلقت طريقك، تموت ولو كنت على نبع ماء.



