*
الخميس: 03 أيلول 2026
  • 03 أيلول 2026
  • 23:29
طفل الحافلة والخيط الذي لم تلمسه مؤسسة
الكاتب: عماد داود

الصباح كان عادياً حتى اللحظة التي توقف فيها الخيط.
خيط رفيع يربط طفلاً بمنزله. من لحظة الصعود إلى لحظة العودة. في تلك الرحلة القصيرة، انقطع الخيط ولم يشعر به أحد.
الأنظمة الكبرى تشبه بيوت العنكبوت. خيوط دقيقة لا تُرى إلا حين تهتز!
وخيط الحضور المدرسي واحد منها. يمتد من باب البيت إلى المقعد في الصف، ثم يعود من الصف إلى الباب من جديد. طالما اهتز الخيط في وقته، لا أحد يلاحظ وجوده. لكنه حين ينقطع، تنكشف كل الفراغات التي كانت مخبأة خلفه!
إلياس صعد إلى الحافلة صباحاً كما يفعل كل يوم. وصل، أو لم يصل، لا أحد يعرف بدقة أي طرف من الخيط انقطع أولاً! المؤكد أن أحداً لم يشعر بالانقطاع طوال ساعات النهار. لا الروضة سألت عن مقعد فارغ. لا أحد راجع القائمة ليقول: هذا الاسم مسجل، وهذا الجسد غائب!
الخيط بقي معلقاً في الفراغ، صامتاً، بلا يد تمسك به.
وحين حان موعد العودة، بدأ الأهل يبحثون عن طرفهم من الخيط. اتصل الأب بالسائقة يسأل عن التأخر. وبعد دقائق، جاء الجواب الذي لا يُنسى.
وجدته!
كلمة واحدة، حملت في داخلها أربع ساعات من غياب لم يسأل عنه أحد!
هنا يجب أن يتوقف القلم عن السرد، ويبدأ بالسؤال.
لماذا كان اكتشاف الغياب مرهوناً بموعد العودة؟ لماذا لم يكن هناك طرف آخر من الخيط، طرف مؤسسي، يمسك به قبل أن يمسك به الأب؟
السؤال الأعمق يتعلق بغياب نظام الاكتشاف نفسه، لا بلحظة النسيان وحدها.
الأردنيون أنفسهم أمسكوا خيط الانتباه بلا فتور حين سقط الطفل المغربي ريان في بئر بشفشاون. خمسة أيام، لم تغب فيها عين عربية عن الشاشة. أما خيط إلياس، فلم يُمسك أصلا، لا لخمسة أيام، ولا لأربع ساعات!
هنا تنكشف المفارقة الكبرى. المؤسسة التي يفترض أنها تحمي الطفل، انتظرت أن يسأل عنه أهله. بينما كان يجب أن تكون هي من يسأل أولاً.
الروضة تعرف من دخل صباحاً. تعرف من جلس في الصف. ويجب أن تعرف، بالقدر نفسه من اليقين، من لم يصل. فإذا غاب اسم عن مقعد كان يفترض أن يشغله، لا ينتظر أحد ساعات العصر. يمسك الخيط في اللحظة نفسها.
مكالمة واحدة، "طفلكم لم يصل إلى الصف"، كانت كافية لتغيير مسار هذا اليوم بأكمله.
القانون الآن يأخذ مساره. السائقة أوقفت، والتحقيق بدأ، والأسرة تقول إنها تثق بالقضاء. هذا حق. لكن العقوبة تصل بعد أن ينقطع الخيط، لا قبل ذلك!
الثقة لا تكفي حين يكون الثمن حياة طفل في الخامسة. يجب أن يكون هناك خيط آخر، أكثر صلابة من الثقة، يمسك به النظام نفسه!
إلياس لن يعود. لكن الخيط الذي انقطع من أجله يمكن أن يُشد من جديد، بيد غيره من الأطفال الذين يركبون حافلة كل صباح في الزرقاء وفي كل مدينة أردنية.
النظام الذي يحمي الطفل لا ينتظر أن يسأل الأب أين ابنه.
النظام هو الذي يسأل أولاً!                         [email protected]

مواضيع قد تعجبك