*
الجمعة: 04 أيلول 2026
  • 04 أيلول 2026
  • 19:02
جَبْر من بطن أمه إلى القبر
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

يُحكى ــ والعهدة على الراوي ــ أن جبرًا دخل ذات يوم مقبرة في إحدى  قرى بلاده الممتدة من طنجة الى خليج عمان ، فاستوقفته أعمار الموتى المكتوبة على الشواهد؛ هذا عاش ثلاث سنوات، وذاك سبعًا، وثالث عشرًا، فسأل حارس المقبرة، وكان شيخًا معمّرًا: كيف مات هؤلاء صغارًا؟

ابتسم الحارس وقال: عندنا لا نحسب عمر الميت بالسنوات التي عاشها، بل بعدد الأيام السعيدة التي مرّت عليه.

فكر جبر قليلًا، ثم طلب ورقة وقلمًا، وكتب وصيته: لا تكتبوا سنوات عمري، فقد قضيت معظمها أبحث عن عمل، وأطارد الرغيف، وأنتظر الفرج الذي كان دائمًا في البيان الصحفي القادم.

ثم قال للحارس: إذا مت، اكتب على قبري:

«جبر... من بطن أمه إلى القبر».

ضحك الحارس وقال: إلى هذا الحد كانت حياتك قصيرة؟

قال جبر: بل كانت طويلة جدًا... لكن السعادة فيها كانت تعمل بنظام التقشف!

ثم سكت قليلًا وقال: نحن يا عم نعيش في بلاد عجيبة؛ تحت أقدامنا نفط، وفوق رؤوسنا غاز، وفي الخطب ثروات لا تنتهي، أما في جيوبنا فالرغيف يحتاج إلى خطة خمسية.

نسمع كل يوم عن المليارات والاستثمارات والمشروعات العملاقة، حتى يخيل إلينا أن الفقر قد غادر البلاد خجلًا، ثم نذهب إلى السوق فنكتشف أنه ما زال يسكن معنا، بل حصل على شقة جديدة!

يقال لنا: اصبروا، فالغد أفضل. وكبر جبر، ثم شاب شعره، ثم ابيضّ، والغد ما زال في الطريق... ربما ضلّ العنوان.

كان جبر يعمل ليعيش، ويعيش ليعمل، وكلما سأل: ومتى أعيش؟ جاءه الجواب الرسمي جاهزًا: الأمور بخير، والمؤشرات إيجابية، والمستقبل واعد.

فكان يعود إلى بيته سعيدًا بهذه المؤشرات، ثم يفتح محفظته ليتأكد، فيجد أن المؤشر الوحيد الذي ارتفع هو سعر الخبز!

ومع ذلك لم يكن جبر ثائرًا؛ كان مواطنًا صالحًا، يعرف أن الصبر فضيلة، وأن الشكوى لها أوقات، وأن الفقير مطلوب منه أن يتحمل حتى تتحسن الظروف، بينما الظروف يبدو أنها لا تنوي التحسن.

وحين مات جبر، لم يحتج حارس المقبرة إلى شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة؛ أخذ وصيته وكتب على شاهده:

«جبر... من بطن أمه إلى القبر».

ثم أضاف تحتها، من عنده:

«عاش عمرًا كاملًا يبحث عن حياة... في بلادٍ كثيرة الخيرات، قليلة نصيب المواطن من خيراتها».

مواضيع قد تعجبك