يبرز دور مؤسسة إعمار الفحيص كواحدة من المؤسسات التي ارتبط اسمها، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بفكرة تنمية موارد البلدة وخدمة مجتمعها، من خلال مشاريع تجاوزت مفهوم البناء المادي لتصبح جزءاً من الحياة العامة في الفحيص.
وحين نتحدث عن الفحيص، فإننا لا نتحدث فقط عن مكانٍ جغرافي أو بلدةٍ ذات طابع عمراني مميز، بل عن مدينة صغيرة راكمت عبر عقود إرثاً اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً يستحق أن يُحفظ ويُستثمر ويُقدَّم للأجيال القادمة.
ولعل أبرز ما يُسجَّل للمؤسسة تاريخياً بناء بيت الفحيص، الذي لم يكن مجرد مبنى أُقيم لخدمة مناسبة أو نشاط عابر، بل تحول مع مرور السنوات إلى صرح اجتماعي وثقافي وفكري، ومركز حيوي احتضن وما يزال العديد من الفعاليات والأنشطة والملتقيات، وأصبح مساحة يلتقي فيها أبناء الفحيص وضيوفها، ومكاناً ارتبط بذاكرة أجيال متعاقبة.
وهذه هي القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع؛ أن يتحول المبنى من حجارة وجدران إلى مكان نابض بالحياة، يحمل ذاكرة المجتمع ويخدم حاضره ومستقبله.
واليوم، وبعد عقود على تجربة بيت الفحيص، تبدو مؤسسة إعمار الفحيص أمام فرصة جديدة لتضيف إلى سجلها مشروعاً من نوع آخر، لكنه لا يقل أهمية، من خلال مساهمتها في مشروع صيانة وترميم وإعادة تأهيل البيوت التراثية في الفحيص – مركز إحياء التراث «القناطر».
ووفق اللافتة المثبتة في موقع المشروع، فإن المشروع سيكون بالتعاون مع دائرة الآثار العامة ووزارة السياحة والآثار، فيما تظهر مؤسسة إعمار الفحيص بوصفها صاحب المشروع/المفوّض، وبلدية الفحيص مالكة الموقع، وتشير اللافتة إلى أن مدة المشروع 365 يوماً، وأن تاريخ بدايته هو 1/8/2026.
لا تكمن أهمية هذا المشروع في ترميم مبنى تراثي فحسب، وإنما في إعادة الحياة إلى جزء من البلدة القديمة، وتحويل أحد بيوتها ومرافقها إلى مساحة يمكن أن تخدم أبناء الفحيص وتحتضن نشاطات اجتماعية وثقافية وتراثية، وتساهم في إعادة الاعتبار للبلدة القديمة باعتبارها جزءاً أساسياً من هوية الفحيص.
وأعتقد أن مؤسسة إعمار الفحيص أمام فرصة مهمة لتكرار تجربة بيت الفحيص، ولكن بأدوات مختلفة؛ فبيت الفحيص كان مشروعاً أسهم في إثراء الحياة الاجتماعية والثقافية للبلدة، بينما يمكن لمركز إحياء التراث أن يسهم في حفظ ذاكرتها وتقديمها للأجيال والزوار.
ومن هنا، فإنني أتمنى على المجلس البلدي القادم ومؤسسة إعمار الفحيص أن يأخذان على عاتقهما استكمال فكرة كتبنا عنها منذ سنوات، وهي العمل على إيجاد مبنى تراثي مناسب في البلدة القديمة، ليكون مقراً لإعادة تشغيل مطحنة الفحيص لصاحبها راتب الصويص بايجاد مبنى تراثي لها يساعد على إعادة احيائها وتشغيلها بالتعاون مع اصحابها. فالمطحنة ليست مجرد آلة قديمة يمكن الاحتفاظ بها كقطعة من الماضي، وإنما هي جزء من سردية الفحيص وتاريخها الاقتصادي والاجتماعي؛ تحكي قصة الإنتاج والعمل، وقصة أجيال عاشت على مهنها وأعمالها، وتروي جانباً من حياة الرجال والنساء الذين شاركوا في دورة الإنتاج وصناعة الحياة في البلدة.
وإذا تعذر إعادة تشغيل المطحنة بصورة عملية، فإن تحويلها إلى متحف تراثي حي سيكون خياراً أكثر أهمية. متحف لا يضع المطحنة خلف زجاج فقط، بل يروي قصتها، وقصة صاحبها، والناس الذين عملوا حولها، والمنتجات التي كانت تخرج منها، وعلاقتها بحياة أهالي الفحيص.
بل يمكن أن يكون هذا المتحف مساحة تحكي قصة الفحيص ورجالاتها ونسائها؛ فالتراث ليس حجارة وأدوات ومباني فقط، وإنما هو الإنسان الذي عاش فيها، وعمل، وأنتج، وربّى أبناءه، وأسهم في بناء المجتمع.
وهنا تحديداً يمكن لمؤسسة إعمار الفحيص أن تلعب دوراً محورياً، لأن خبرتها التاريخية في إقامة المشاريع وخدمة المجتمع يمكن أن تنتقل من إعمار المباني إلى إعمار الذاكرة.
وكان قرار المجلس السابق برئاسة عمر عكروش بتخصيص المبنى التراثي لترميمه وإقامة مشروعها عليه وقرار لجنة البلدية برئاسة المهندس عماد الحياري بمنح مؤسسة إعمار الفحيص مقرا لها في مبنى القناطر لإقامة مشروعها عليه، يمثل خطوة يمكن البناء عليها لتطوير هذا المشروع وإعطائه بعداً مجتمعياً وثقافياً أوسع.
إن ما نحتاجه في الفحيص اليوم ليس فقط المحافظة على البيوت القديمة، وإنما إعادة استخدامها وإحياؤها، حتى لا تتحول البلدة القديمة إلى مجموعة من الأبنية الجميلة الخالية من الحياة.
فالبيت التراثي الذي يُرمم ويُغلق أبوابه يبقى مبنى، أما البيت الذي يحتضن الناس والحكايات والوثائق والأدوات والفعاليات فيتحول إلى ذاكرة حية.
ومن هنا، فإن مشروع «مركز إحياء التراث – القناطر» يمكن أن يكون بداية لمسار أكبر، تُستثمر فيه البيوت التراثية والمواقع القديمة في تقديم سردية متكاملة عن الفحيص: تاريخها، وناسها، ومهنها، وإنتاجها، ومؤسساتها، وعاداتها، وشخصياتها، والقصص التي صنعت صورتها عبر الزمن.
وبين بيت الفحيص الذي أُنجز منذ عقود، وهذا المشروع التراثي الذي يبدأ هذه الأيام ، يمكن أن نرى امتداداً لدور مؤسسة إعمار الفحيص في خدمة البلدة؛ فالأول أسهم في بناء فضاء للحياة الاجتماعية والثقافية، والثاني يمكن أن يسهم في بناء فضاء يحفظ ذاكرة المكان والإنسان.
وهذه، في رأيي، هي الرسالة الأهم: إعمار الفحيص لا يعني فقط أن نبني جديداً، بل أن نحافظ على ما بناه الآباء، ونمنحه حياة جديدة، ونحوّل إرث البلدة إلى قيمة ثقافية واجتماعية واقتصادية للأجيال القادمة.
وإذا ما أحسنّا استثمار هذه الفرصة، فقد تكون الفحيص أمام مرحلة جديدة لا يصبح فيها التراث عبئاً على المدينة، بل مورداً من مواردها، ومصدراً من مصادر قوتها وهويتها، ومكاناً يلتقي فيه الماضي بالحاضر لصناعة المستقبل.



