*
الخميس: 03 أيلول 2026
  • 03 أيلول 2026
  • 20:16
فيضانات نيبال أنهار الهيمالايا تهدد الهند بكارثة جديدة

خبرني - فيضانات نيبال تدفع أنهارًا مشتركة مع الهند إلى الارتفاع، وسط مخاوف من تفاقم الوضع في بيهار ومناطق أخرى.

لم تعد الكارثة التي ضربت نيبال في الأيام الأخيرة محصورة داخل حدودها، بعدما بدأت تداعياتها تظهر بوضوح في الهند عبر شبكة الأنهار التي تنحدر من جبال الهيمالايا وتعبر الحدود باتجاه السهول الهندية.

ومع استمرار تدفق المياه والرواسب من المناطق الجبلية، وارتفاع مناسيب عدد من الأنهار في ولاية بيهار، تتزايد المخاوف من أن تتحول الكارثة النيبالية إلى أزمة فيضانات عابرة للحدود، خصوصًا في المناطق الواقعة على امتداد نهري كوسي وجاندك.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل التطورات التي شهدتها نيبال منذ 26 أغسطس/ آب، عندما أدت كارثة مرتبطة بانهيار جليدي وصخري إلى اندفاع هائل للمياه والحطام عبر وديان الأنهار، مخلفة دمارًا واسعًا وخسائر بشرية ضخمة. وبحلول 3 سبتمبر/ أيلول، تجاوز عدد القتلى في نيبال 1250 شخصًا، فيما ظل أكثر من 4200 شخص في عداد المفقودين، وفق أحدث التقارير.

لماذا تراقب الهند فيضانات نيبال؟
تنبع أهمية التطورات في نيبال بالنسبة إلى الهند من الطبيعة الجغرافية للنظام المائي في المنطقة؛ فعدد كبير من الأنهار التي تتدفق من جبال الهيمالايا في الأراضي النيبالية يواصل مساره جنوبًا إلى الهند، قبل أن يصب في منظومة نهر الغانج.

وتشمل أبرز الأنهار العابرة للحدود كوسي وغاندكي وكارنالي وماهاكالي، إلى جانب أنهار أخرى مثل باغماتي وكامالا ورابتي وباباي. وتعني هذه الجغرافيا أن المياه التي تتجمع في المناطق الجبلية شمالًا يمكن أن تؤثر، بعد انتقالها إلى السهول، في مناطق مكتظة بالسكان داخل الهند، ولا سيما شمال بيهار وأجزاء من ولاية أوتار براديش.

وتعد بيهار الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، إذ تعتمد شبكة واسعة من أنهارها على روافد ومجاري مائية تنبع من نيبال، فيما يرتبط تاريخ الولاية بسلسلة متكررة من الفيضانات التي تجعل أي ارتفاع كبير في التصريف القادم من الشمال مصدر قلق مباشر.

بيهار تحت المراقبة مع ارتفاع كوسي وجاندك
التطورات الأخيرة أظهرت أن المخاوف لم تعد نظرية. فقد ارتفع منسوب نهري كوسي وجاندك في بيهار عقب الفيضانات التي ضربت نيبال والأمطار الغزيرة في مناطق تجمع المياه، بينما اتخذت السلطات إجراءات لتصريف المياه ومراقبة الوضع.

وفي 27 أغسطس/ آب، رفعت بيهار درجة التأهب بعدما وصل ارتفاع المياه القادمة من نيبال إلى منظومة نهر جاندك، ما دفع السلطات إلى فتح البوابات الـ36 لسد جاندك في فالميكيناغار للتعامل مع تدفق المياه.

وبحلول 31 أغسطس/ آب، ارتفعت مناسيب جاندك وكوسي مجددًا، فيما فُتحت بوابات سد جاندك وبوابات سد كوسي لتنظيم تدفق المياه. ورغم تراجع التصريف في بعض الفترات، استمرت السلطات في مراقبة الوضع تحسبًا لارتفاعات جديدة.

لكن التطورات الأحدث في 3 سبتمبر/ أيلول أظهرت أن المشهد في بيهار لا يزال هشًا؛ إذ سجلت عدة أنهار رئيسية ارتفاعات جديدة، مع تجاوز ثمانية أنهار علامات الخطر في مناطق مختلفة، بينها الغانج وكوسي وجاندك وباغماتي وغاغهرا وبورهي جاندك وبونبون وسون، فيما تأثرت 13 مقاطعة بالفيضانات.

وأجرى رئيس وزراء بيهار، سامرات تشودهاري، جولة لمتابعة ارتفاع مياه نهر الغانج، بينما حذرت السلطات السكان في المناطق المنخفضة والمناطق القريبة من ضفاف الأنهار من المخاطر المحتملة.


رغم انتشار روايات تتحدث عن إطلاق نيبال كميات ضخمة من المياه باتجاه الهند، فإن الخبراء يرفضون هذا التوصيف المبسط.

فالفيضانات الحالية ترتبط أساسًا بالأمطار الشديدة والظروف الجيولوجية والجليدية في مناطق المنابع، وليس بقرار من السلطات النيبالية بفتح خزانات عملاقة وإغراق الأراضي الهندية.

كما أن قدرة نيبال على تخزين والتحكم في كميات هائلة من مياه الفيضانات محدودة، ما يجعل جزءًا كبيرًا من المياه التي تصل إلى المناطق الحدودية نتيجة مباشرة للأمطار الغزيرة والتدفقات المفاجئة القادمة من المناطق الأعلى.

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار أي ارتفاع في الهند نتيجة للمياه القادمة من نيبال وحدها؛ فشدة الفيضان downstream تتأثر أيضًا بالأمطار داخل الهند، ومنسوب الأنهار، وقدرة السدود والحواجز المائية، وشبكات الصرف، وحالة مجاري الأنهار.

وهذا التفصيل مهم؛ لأن وجود نهر مشترك لا يعني بالضرورة أن أي فيضان في دولة المنبع سيتحول تلقائيًا إلى كارثة في الدولة الواقعة أسفل المجرى.

كارثة كوسي 2008.. درس لا يزال حاضرًا
تقدم كارثة نهر كوسي عام 2008 مثالًا واضحًا على تعقيد العلاقة بين المياه والبنية التحتية.

فقد تسبب انهيار جزء من سد ترابي على النهر في كارثة واسعة النطاق، وأسفر الحدث عن مئات الوفيات، رغم أن تدفق المياه لم يكن بالضرورة استثنائيًا مقارنة بالقدرة الاستيعابية للنهر.

وأظهرت التحقيقات والتحليلات اللاحقة أن المشكلة لم تكن مجرد كمية المياه، بل ارتبطت أيضًا بفشل بنيوي في السد، ما أدى إلى تغيير مسار المياه وحدوث فيضانات واسعة.

ولهذا السبب، فإن الخطر في المنطقة لا يرتبط فقط بالسؤال: «كمية المياه التي ستصل من نيبال؟»، وإنما أيضًا بالسؤال الأكثر تعقيدًا: «هل البنية التحتية والأنهار والسدود قادرة على استيعابها؟»

نافذة إنذار قد لا تتجاوز ساعات
تمتلك الهند عادة فترة زمنية محدودة للاستعداد أمام الفيضانات القادمة عبر الأنهار العابرة للحدود، وقد تتراوح نافذة التحذير في بعض الحالات بين نحو 12 ساعة ويومين.

لكن هذه المدة قد تصبح أقصر بكثير عندما يتعلق الأمر بفيضانات مفاجئة أو تدفقات ضخمة من الصخور والطمي والحطام، وهي الظاهرة التي أصبحت أكثر أهمية في كارثة نيبال الحالية.

وتتبادل الهند ونيبال بيانات حول هطول الأمطار ومناسيب الأنهار، إلا أن استمرار نقص محطات الرصد في بعض المناطق، وغياب نموذج تنبؤ مشترك بالكامل، ومحدودية المعلومات المتبادلة بشأن بعض السدود ومسارات الأنهار، تمثل نقاط ضعف في منظومة الإنذار.

وفي المقابل، تمتلك بيهار أنظمة لمراقبة مناسيب الأنهار والإنذار المبكر، وتعرض السلطات بيانات دورية عن الأنهار ومحطات القياس، في محاولة لتحسين القدرة على توقع التطورات.

الخطر الأكبر ليس الماء وحده
تكشف كارثة نيبال الحالية عن مشكلة تتجاوز مفهوم «الفيضان التقليدي».

فالموجة المائية التي اجتاحت المناطق الجبلية حملت معها كميات هائلة من الصخور والجليد والطين والرواسب، ما جعلها أقرب إلى جدار متحرك من الماء والحطام قادر على تدمير الطرق والجسور والمنشآت خلال وقت قصير.

وفي وادي نهر تريشولي، أدت الكارثة إلى تدمير واسع النطاق، فيما لا تزال عمليات البحث والإنقاذ مستمرة للوصول إلى عمال يُعتقد أنهم عالقون داخل أنفاق منشآت للطاقة الكهرومائية. وتشير أحدث التقارير إلى أن نحو 900 شخص ظلوا مرتبطين بعمليات البحث في مواقع الطاقة الكهرومائية المتضررة.

كما أدت الكارثة إلى تدمير آلاف المنازل والبنية التحتية، وسط تقديرات بأن نحو 20 ألف منزل تضرر أو أصبح غير صالح للسكن، بينما دُمّر ما لا يقل عن 7500 منزل بالكامل.

فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تغيرات في الأنهار الجليدية والتربة الصقيعية، كما يمكن أن يزيد احتمالات عدم استقرار المنحدرات وانهيار الكتل الجليدية والصخرية، وهي عوامل يمكن أن تؤدي بدورها إلى إطلاق كميات ضخمة من المياه والحطام بصورة مفاجئة.

وتشير تداعيات الكارثة الأخيرة إلى أن التحدي لا يتمثل فقط في التعامل مع أمطار موسمية غزيرة، وإنما في سلسلة من المخاطر المترابطة: انهيارات جليدية وصخرية، وسدود طبيعية تتشكل خلف الحطام، وبحيرات جليدية معرضة للانفجار، ثم موجات فيضانية تنتقل بسرعة عبر الأودية.

ويصبح الخطر أكثر تعقيدًا عندما تصل هذه التدفقات إلى السهول؛ إذ تحمل معها كميات كبيرة من الرواسب التي يمكن أن ترفع قيعان الأنهار وتقلل قدرتها على استيعاب المياه، ما يزيد احتمالات خروجها عن مجاريها.

لماذا تعتبر بيهار الأكثر عرضة؟
تتمتع بيهار بموقع يجعلها شديدة الحساسية تجاه التطورات القادمة من نيبال. فعدد من أهم أنهار شمال الولاية يأتي من مناطق جبلية نيبالية، فيما يعيش ملايين السكان بالقرب من الأنهار وفي مناطق منخفضة معرضة للغمر.

ويحمل نهر كوسي تاريخًا طويلًا من الفيضانات، لدرجة ارتباطه في الذاكرة المحلية بلقب «حزن بيهار».

ولا تقتصر المخاطر على كوسي وجاندك؛ إذ يمكن أن تمتد التأثيرات إلى مناطق أخرى في الولاية مع ارتفاع الغانج وباغماتي وغاغهرا وبورهي جاندك وغيرها.

وفي أحدث تطورات 3 سبتمبر/ أيلول، اضطر سكان بعض المناطق المنخفضة في بيهار إلى مغادرة منازلهم مع وصول المياه إلى مناطق سكنية وطرق، فيما واجهت بعض الأسر صعوبات في تأمين الغذاء ومياه الشرب والأعلاف للحيوانات.

ولم تتوقف تداعيات الفيضانات عند ارتفاع المياه؛ إذ حذرت سلطات بيهار السكان من تناول أو بيع أنواع غير معروفة من الأسماك جرفتها مياه الفيضانات من نيبال إلى مناطق في حوض جاندك.

وجاء التحذير بعد العثور على أسماك غير مألوفة في بعض المسطحات المائية والمناطق المنخفضة، وسط مخاوف من احتمال تعرضها للتلوث بعد اختلاط مياه الفيضانات بالصرف الصحي والحيوانات النافقة والمواد المتحللة.

ويعكس ذلك اتساع نطاق التأثيرات العابرة للحدود؛ فالمياه لا تنقل فقط خطر الغمر، وإنما قد تنقل معها الرواسب والملوثات والمواد العضوية والكائنات المائية من منطقة إلى أخرى.

الهند ونيبال أمام اختبار جديد
تكشف الأزمة الحالية أن التعامل مع أنهار الهيمالايا باعتبارها ملفات منفصلة داخل حدود كل دولة لم يعد كافيًا.

فالمياه لا تتوقف عند الحدود السياسية، وأي تغير مفاجئ في المنابع يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى أزمة في المناطق الواقعة أسفل المجرى.

ولهذا تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة أكثر تكاملًا بين الهند ونيبال، تقوم على توسيع شبكة محطات الرصد، وتبادل البيانات بصورة أسرع، وتطوير نماذج مشتركة للتنبؤ بالفيضانات، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، إضافة إلى تبادل المعلومات المتعلقة بالسدود والحواجز والمناطق المعرضة للانهيارات.

والتحدي الأكبر في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في التعامل مع هذه الكارثة، وإنما في الاستعداد للكارثة التالية.

فكارثة نيبال الأخيرة، التي امتدت آثارها إلى الأنهار الهندية، تقدم نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتزامن الأمطار الشديدة مع اضطرابات جليدية وصخرية وتدفقات هائلة من الرواسب في منطقة واحدة.

ومع استمرار ارتفاع المخاطر المناخية في الهيمالايا، يبدو أن أمن المياه والحد من الفيضانات في الهند ونيبال أصبحا قضية واحدة تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود، وليس ساحة جديدة لتبادل الاتهامات.

مواضيع قد تعجبك