أردوغان لا يحبني ولا يحب إسرائيل.
قالها نتنياهو بنفسه، بلا مواربة، في حديث تلفزيوني بثته القناة 14 الإسرائيلية في 30 أغسطس 2026.
جملة تصلح بين حبيبين افترقا على مضض، لا بين رئيسي حكومتين يتقاسمان جوارا مشتعلا: سلاحا وغازا وسوريا وغزة والقدس المحتلة.
لكن الدول لا تحب.
الدول تحسب.
وحين يستعير رئيس حكومة قاموس العشاق ليصف خصما إقليميا، فهو يعترف من طرف خفي بأن شيئا أعمق من السياسة قد انكسر.
في روايتها المعروفة عالميا، تكتب الروائية التركية إليف شافاق أربعين قاعدة للحب، أولها أن الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا مرآة للطريقة التي نرى بها أنفسنا.
لن أطبق هنا القواعد الأربعين كلها.
بعضها صيغ للمحبين لا للدول.
لكن ثلاثا منها تكفي لقراءة ما يجري بين أنقرة وتل أبيب اليوم: الحب لا يفرض بالقوة، والحب لا يعيش على الخوف من الآخر، والحب الحقيقي لا يحتاج إلى عدو ليثبت وجوده.
وبمقياس هذه القواعد الثلاث، كانت العلاقة التركية الإسرائيلية زواج مصلحة عرفه الطرفان بهذا الاسم منذ يومه الأول.
في تسعينيات القرن الماضي كان هذا الزواج ناجحا بامتياز.
تعاون عسكري.
معلومات استخباراتية.
صفقات سلاح.
مناورات مشتركة.
حاجة إسرائيلية إلى شريك مسلم كبير داخل البيئة الإقليمية، وحاجة تركية إلى شريك تكنولوجي ينسجم مع موقعها داخل المنظومة الغربية.
نجح لأن المصالح الواضحة أكثر استقرارا من العواطف الغامضة.
لكن وصول أردوغان إلى الحكم عام 2002 حمل بداية تغيير في تعريف تركيا لدورها.
من دولة تنفذ الأدوار إلى دولة تريد أن تشارك في كتابة قواعد المنطقة.
ثم تصاعد التوتر تدريجيا عبر عقدين.
مافي مرمرة عام 2010.
محاولة تطبيع عام 2022.
ثم حرب غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023.
قارن أردوغان سلوك إسرائيل بجرائم النازية، ووصف نتنياهو أردوغان بالديكتاتور المعادي للسامية.
وفي مايو 2024 علقت أنقرة تجارتها مع إسرائيل بالكامل.
تحولت التجارة من جسر بين البلدين إلى سلاح ضغط.
وحين تسبق السياسة الاقتصاد بهذا الشكل، تنتقل المشكلة من دفاتر الشركات إلى تعريفات الأمن القومي نفسها.
فآخر شبكة أمان كانت تمنع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تفككت بقرار واحد.
ثم انتقلت المواجهة إلى سوريا.
وفي 18 أغسطس 2026 ضربت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا، وقالت إن الضربة جاءت لمنع انتشار عسكري تركي وشيك فيها.
وصفت أنقرة الضربة بانتهاك القانون الدولي.
وفي خضم هذا التصعيد دخل عنصر غير متوقع أربك حسابات تل أبيب: دونالد ترامب.
ترامب وصف علاقته بأردوغان بأنها صداقة حقيقية، ولمح إلى بيع مقاتلات F-35 لتركيا رغم استبعادها السابق من البرنامج.
اعتراض نتنياهو على الصفقة اعتراض على مستقبل يملك فيه رجل لا يحبه مفتاح توازن القوى الجوي في المنطقة.
وهنا يستحق السؤال أن يعاد صياغته وفق القاعدة الثانية من قواعد شافاق:
الحب لا يعيش على الخوف.
فهل تخاف إسرائيل من تركيا لأنها تكرهها، أم لأنها لم تعد تحتاج إليها؟
الدول لا تخاف دائما من عدوها.
أحيانا تخاف من حليف سابق اكتشف أنه يستطيع العمل من دونها.
وهذا بالضبط ما تغير.
تركيا اليوم قوة يجب حسابها، لا قوة يجب إقناعها.
وفي 28 يونيو 2026 اتخذت إسرائيل خطوة أخرى.
صوت مجلس الوزراء الإسرائيلي بالإجماع على الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، بعد عقود من التردد في هذا الملف حفاظا على العلاقة مع أنقرة.
لكن القرار الحكومي ما زال يحتاج إلى استكمال المسار التشريعي في الكنيست.
وهذا فارق يغيب عن كثير من القراءات.
تصويت الحكومة موقف سياسي، وليس بعد قانونا نهائيا.
لكن التوقيت وحده يحمل رسالة.
حين يصبح ثمن إغضاب تركيا أقل من السابق، تصبح الملفات المؤجلة قابلة للاستخدام السياسي.
وفي قلب هذا الصراع يقف حجر صغير في متحف إسطنبول.
نقش سلوان.
لوح من الحجر الجيري عمره نحو ألفين وسبعمئة عام، اكتشف عام 1880 داخل نفق مائي أسفل القدس في العهد العثماني، ونقل إلى العاصمة العثمانية ليبقى فيها حتى اليوم.
تريده إسرائيل دليلا يعزز روايتها التاريخية عن الوجود اليهودي القديم في المدينة.
وترفض تركيا تسليمه باعتباره أثرا موجودا ضمن ممتلكاتها الأثرية.
وقال نتنياهو إنه طلبه من رئيس الوزراء التركي مسعود يلماز عام 1998، وعرض في المقابل أن تختار تركيا أي أثر عثماني تريده.
لكن الطلب قوبل بالرفض.
وتكررت المحاولات الإسرائيلية لاحقا، وصولا إلى 2022 خلال زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أنقرة.
وكان الجواب التركي هو نفسه.
هذه ليست معركة آثار.
هذه معركة تعريف.
من يملك حق كتابة اسم المكان؟
حين تسمي إسرائيل الأثر دليلا على تاريخها اليهودي القديم في القدس، فهي تمنحه موقعا داخل روايتها ولا تصفه فحسب.
وحين تتمسك تركيا به، فهي لا تدافع عن قطعة أثرية فقط.
إنها ترفض أن تمنح إسرائيل ما تراه اعترافا رمزيا بسيادتها على مكان ما زال موضع نزاع.
القاعدة الثالثة من قواعد شافاق تقول إن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى عدو ليثبت وجوده.
وهذا بالضبط ما يفتقده هذا الصراع.
كل طرف يحتاج الآخر عدوا واضحا أكثر مما يحتاج الحجر نفسه.
لا يقتصر الأمر على التاريخ والرمز.
فالتحالفات البديلة طبقة موازية من الحسابات.
وقعت إسرائيل واليونان في 31 أغسطس 2026 أكبر صفقة دفاعية في تاريخ علاقتهما، بقيمة ثلاثة مليارات يورو، أي نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، لبناء منظومة دفاع جوي متكاملة، في وقت يتصاعد فيه التوتر بين تركيا وإسرائيل.
كلما ابتعدت تركيا عن إسرائيل ازدادت قيمة التحالفات البديلة.
الجغرافيا تمنح القوة لمن يجعل الآخرين غير قادرين على الاستغناء عنه.
لا لصاحبها إلى الأبد.
ومصر واليونان وقبرص تثبت اليوم أن هذا الاحتكار قابل للكسر.
أما الأردن، فلا ينبغي أن يكون خارج هذه الصورة.
أي إعادة تشكيل لسوريا، وأي تغير في ميزان القوى بين تركيا وإسرائيل، ستصل آثاره إلى الجغرافيا الأردنية مهما حاول الجميع إبعاده عن الطاولة.
لا لأن الأردن يريد اختيار طرف.
بل لأن الأردن لا يملك ترف تجاهل ما يحدث على حدوده الشمالية.
الأردن لا يحتاج إلى الصراخ.
يحتاج إلى القراءة المبكرة.
لأن الدولة التي تقع في قلب الجغرافيا لا تملك ترف القراءة المتأخرة.
قد يستطيع نتنياهو أن يعيد الاتصال بأردوغان يوما.
وقد تعود التجارة.
وقد يعود السفراء.
وقد يجلس الرجلان في غرفة واحدة بوساطة ترامب.
لكن شيئا واحدا أصبح أصعب من السابق:
إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه.
لأن الثقة التي ماتت لا تعود بقرار وزاري.
ولأن الدولة التي اكتشفت قدرتها على الاستغناء عن شريك قديم لا تعود إليه بالشروط نفسها.
العشق قد ينتهي بلحظة.
لكن الثقة لا تموت دفعة واحدة.
تموت بالتقسيط.
وتركيا وإسرائيل اليوم في منتصف تلك العملية، لا في نهايتها.
وهنا تعود قواعد العشق الثلاث إلى السياسة.
الحب لا يعيش على الخوف.
والثقة لا تولد من القوة.
والعلاقة التي تحتاج عدوا دائما كي تثبت وجودها تصبح في النهاية أسيرة لذلك العدو.
نتنياهو يقول إن أردوغان لا يحبه ولا يحب إسرائيل.
وقد يكون محقا.
لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس: هل يحب أردوغان إسرائيل؟
ولا: هل يحب نتنياهو أردوغان؟
السؤال أخطر:
هل يستطيع الاثنان أن يعيشا في المنطقة نفسها من دون أن يحاول كل منهما تغيير ميزان القوة لمصلحته؟
إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة ليست في الحب.
المشكلة أن الشرق الأوسط كله أصبح غرفة واحدة.
وكلما تحرك فيها رجل، اهتزت الطاولة كلها.
أما حجر سلوان، الذي بدأ الحكاية صغيرا في متحف إسطنبول، فقد يقول لنا شيئا أكبر من ألف خطاب:
حين تعجز الدول عن الاتفاق على الحاضر، تبدأ في التنازع على الماضي.
وحين يصبح الحجر حدودا، يصبح السؤال الحقيقي:
من يملك التاريخ؟
ومن يملك الحاضر؟
ومن يملك الغد؟
قد تعود التجارة.
وقد يعود السفراء.
وقد يجلس نتنياهو وأردوغان إلى طاولة واحدة.
لكن قواعد العشق الثلاث تقول شيئا لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءه:
من يخاف الآخر لا يثق به.
ومن يحتاج إلى عدوه ليعرف نفسه لا يستطيع أن يعيش معه بسلام.
ومن فقد الثقة يستطيع أن يعود إلى العلاقة، لكنه لا يعود إلى العلاقة نفسها.
وهذا بالضبط ما حدث بين نتنياهو وأردوغان!



