*
الثلاثاء: 01 أيلول 2026
  • 01 أيلول 2026
  • 20:33
المياه في القطاع الزراعي ندرة الموارد وإستدامة المزرعة
الكاتب: المهندسة الزراعية فداء علي الروابدة

من المعروف أن الأردن يواجه تحدياً متزابداً في إدارة المياه والذي يعتبر أكثر القضايا إرتباطاً بمستقبل التنمية والأمن الغذائي.ومع محدودية الموارد الطبيعية وزيادة الطلب عليها،لم تعد قضية المياه في القطاع الزراعي تقتصر على توفير المياه لغايات ري المزروعات فقط ولكن أصبحت ترتبط بكفاءة إستخدام كل متر مكعب وإستدامة المزارع مع حماية للمياه الجوفية وقدرة القطاع الزراعي في التكيف مع التغير المناخي.

تشير الإستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 إلى أن الأردن من أكثر الدول معاناة من شح المياه وأن حصة الفرد من المياه لجميع الإستخدامات إنخفضت إلى أقل من 61 متر مكعب سنوياً.يعكس هذا الرقم حجم التحدي الذي تواجهه المملكة ويؤكد أن إدارة المياه ليست موضوع خدماتي أو قطاعي لكن قضية وطنية ترتبط بالأمن الغذائي والمائي والتنمية الإقتصادية والإجتماعية.

ويقيناً أن القطاع الزراعي في قلب المعادلة بإعتباره قطاع يعتمد بشكل مباشر على المياه وإستقرار الموارد الطبيعية ومن هنا فإن مستقبل الزراعة الأردنية يتطلب بشكل جدي الإنتقال من زيادة الكميات المتاحة إلى مفهوم شامل يعتمد على رفع إنتاجية المياه بمعنى تحقيق أكبر إنتاج وقيمة إقتصادية ممكنة من كل متر مكعب مستخدم في الزراعة.

يمثل الحصاد المائي جزء من الحل كونه أحد الأدوات المهمة في إدارة المياه الزراعية ،فجمع مياه الأمطار والسيول وتخزينها وإستخدامها عند الحاجة مع الإستفادة منها في تغذية المياه الجوفية يمكن أن يوفر مصدر إضافي للمياه ويخفف من آثار الجفاف ويدعم مربي الثروة الحيوانية خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة البعلية أو محدودة مصادر المياه فيها. وفكرة الحصاد المائي قديمة حديثة ففي التاريخ الأردني عرفت الحضارات التي عاشت في المنطقة آلاف السنين أساليب مختلفة لجمع مياه الأمطار وتخزينها،واليوم تتطور الفكرة أكثر من خلال الحفائر والسدود التربية والبرك التجميعية والآبار وخزانات الأسطح وتقنيات حفظ رطوبة التربة.

وقد إتجهت المؤسسات الوطنية إلى تعزيز هذا المجال بالعمل على تطوير خارطة رقمية موحدة للحصاد المائي تساعد على تحديد المواقع المناسبة وتوجيه المشاريع لهذة المناطق وفق بيانات مكانية وفنية دقيقة. ومع ذلك لا يعتبر الحاصاد المائي حلاً سحرياً لأزمة المياه ولكن جزء من منظومة متكاملة تشمل إستخدام أساليب الري الحديث وإعادة إستخدام المياه المعالجة حسب المعايير الدولية وحماية المياه الجوفية وحفظ التربة والطاقة المتجددة والزراعة الذكية مناخياً.

إن التحدي الحقيقي أمام الزراعة الأردنية ليست كمية المياه المتوفرة لكن كيفية الإستخدام وتقدير إنتاجية المتر المكعب من المياه .مما يستدعي التحول نحو نظم زراعية أكثر كفاءة بإستخدام أنظمة الري الحديثة وإختيار المحاصيل المناسبة للظروف المناخية وتحسين إدارة التربة والرطوبة بالإضافة إلى إستخدام التكنولوجيا والنظم الجغرافية والإستشعار عن بعد كما أن الطاقة الشمسية لها دور كبير في تخفيض كلف ضخ المياه وتشغيل الأنظمة الزراعية بأقل تكلفة ممكنة مما يدعم الجدوى الإقتصادية للزراعة.

إن المزارع أساس المعادلة فلا يمكن الحديث عن إستدامة المياه الزراعية بعيداَ عن المزارع،فهو المستخدم المباشر للمياه وفي الوقت ذاته الأكثر تأثراً بالجفاف وإرتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار وتكاليف الإنتاج. لذلك إن أي سياسة مائية زراعية ناجحة يجب أن تضع المزارع في مركزها، وأن تربط إدارة المياه بالإرشاد الزراعي والتمويل والتكنولوجيا والإنتاج والتسويق. ولا يكفي فقط إيجاد منشآت  لحصاد المياه إذا لم يتوفر ضمان لقدرتها على خدمة المزارع واستدامتها وصيانتها وقياس أثرها الحقيقي على الإنتاج والدخل وحماية الموارد الطبيعية.

يزيد التحدي مع التغير المناخي من تعقيد ملف المياه الزراعية من خلال إرتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول وزيادة التبخر، وتكرار فترات الجفاف مع احتمالية حدوث أمطار شديدة وسيول مفاجئة. وهذا يجعل إدارة مياه الأمطار أكثر أهمية، ليس فقط للإستفادة من المياه وإنما أيضاً للحد من مخاطر السيول والإنجرافات وفقدان المياه عبر الجريان السطحي.وبالتالي،فإن الحصاد المائي يمثل في الوقت نفسه إجراءً للتكيف مع التغير المناخي وأداة لدعم الزراعة وحماية الموارد الطبيعية.

إن مستقبل المياه في القطاع الزراعي الأردني يحتاج إلى رؤية متكاملة تتجاوز الحلول المنفردة لتجمع بين الحصاد المائي والري الحديث، وحماية المياه الجوفية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والطاقة الشمسية والتكنولوجيا، وحفظ التربة وتعزيز الإرشاد الزراعي.كما يتطلب الأمر مزيداً من التكامل بين الجهات الوطنية المعنية بالمياه والزراعة والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمزارعين، إلى جانب تطوير قواعد بيانات دقيقة تساعد على تحديد الأولويات والإستثمارات الأكثر فاعلية. والأهم من ذلك أن يتم تقييم المشاريع المائية ليس فقط بحجم المياه التي توفرها، وإنما بقدرتها على رفع إنتاجية المياه وتحسين دخل المزارع وتقليل الضغط على الموارد الجوفية وتعزيز الأمن الغذائي.

في الخلاصة

المياه في القطاع الزراعي ليست مجرد مدخل للإنتاج، بل هي أساس لإستمرار المزرعة الأردنية ودعم الأمن الغذائي الوطني في ظل شح المياه وتزايد آثار التغير المناخي، لم يعد التحدي في توفير مياه أكثر فحسب، بل في إدارة كل قطرة بكفاءة واستدامة. ومن هنا يمثل الحصاد المائي استثماراً استراتيجياً لمياه الأمطار تتعاظم أهميته عند دمجه مع الري الحديث والتكنولوجيا وحماية المياه الجوفية وتمكين المزارع. وعليه، فإن التوسع في الحصاد المائي وتحسين إدارته يشكل ضرورة وطنية لتعزيز الأمن المائي والغذائي واستدامة الزراعة الأردنية وحماية موارد الأردن للأجيال القادمة.

مواضيع قد تعجبك