*
الاثنين: 31 أغسطس 2026
  • 31 أغسطس 2026
  • 16:08
الشباب في الأردن من شعار التمكين إلى سؤال المشاركة أين موقعهم في حكومة جعفر حسان
الكاتب: المحامي أسامة الضمور

ليس المطلوب من الحكومة أن تمنح الشباب مواقع لمجرد أنهم شباب ولا أن تقصي أصحاب الخبرة لمجرد تقدمهم في العمر فالدولة لا تدار بالعمر وإنما بالكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم وبكل موضوعية: أين موقع الشباب الأردني في صناعة القرار العام؟ وأين فرصته الحقيقية في الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة المشاركة؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عند تقييم تجربة حكومة الدكتور جعفر حسان التي جاءت في مرحلة يفترض أن يكون فيها تمكين الشباب أحد عناوين الإصلاح السياسي والإداري لا مجرد خطاب يقال.

فالشباب الأردني اليوم ليس شريحة هامشية في المجتمع بل هو جزء أساسي من بنيته وأكثر الفئات اتصالًا بالتعليم والتكنولوجيا وسوق العمل والتحديات الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم فإن الحديث عن تحديث الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون تحديث مفهوم المشاركة في صناعة القرار وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الكفاءات لتولي المسؤولية العامة.

الخبرة مطلوبة.. لكن التجديد ضرورة

لا أحد يستطيع إنكار قيمة الخبرة التي يمتلكها أصحاب التجارب الطويلة في الدولة فالخبرة عنصر أساسي في الإدارة العامة ولا يمكن بناء المؤسسات من خلال إقصاء أصحاب الخبرة

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار دائم للمواقع القيادية وعندما يصبح حضور الأجيال الجديدة استثناءً لا قاعدة.
وقد أثارت التعيينات الأخيرة لرؤساء مجالس أمناء عدد من الجامعات الرسمية نقاشًا عامًا حول طبيعة التمثيل العمري والجيلي في مواقع صنع القرار الجامعي إذ شملت التعيينات شخصيات سياسية وإدارية سابقة ذات خبرة طويلة

وهنا لا يتعلق الأمر بالاعتراض على الأشخاص أو التقليل من خبراتهم وإنما بطرح سؤال:

أين الكفاءات الشبابية الأردنية التي درست في أفضل الجامعات وحصلت على درجات علمية متقدمة واكتسبت خبرات في الإدارة والقانون والاقتصاد والتكنولوجيا؟

ألا تستحق هذه الكفاءات أن تكون جزءًا من مجالس الإدارة وصناعة السياسات العامة؟

إن الدولة التي تريد بناء جيل قيادي جديد لا تنتظر حتى يصل الشباب إلى سن الستين حتى تمنحهم فرصة المسؤولية بل تبدأ بإعدادهم وإشراكهم منذ وقت مبكر وفق معايير الكفاءة والاستحقاق.

من التمكين إلى المشاركة الحقيقية

لقد أصبح مصطلح “تمكين الشباب” من أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب العام لكن التمكين الحقيقي لا يكون بعقد مؤتمر للشباب أو إنشاء مبادرة، أو إطلاق برنامج تدريبي
التمكين الحقيقي هو أن يكون للشباب مقعد على طاولة القرار
أن يكون هناك شاب في مجلس إدارة.

أن يكون هناك شاب في موقع قيادي

أن تكون الكفاءة الشبابية حاضرة عند تشكيل اللجان والمجالس والهيئات

أن يشعر الشاب الأردني أن الدولة لا تراه فقط ناخبًا أو باحثًا عن وظيفة وإنما تراه شريكًا في صناعة المستقبل

وهنا تقع مسؤولية الحكومة، ليس فقط من خلال التعيينات، وإنما من خلال وضع معايير واضحة تضمن التوازن بين الخبرة والتجديد وبين الجيل الذي بنى مؤسسات الدولة والجيل الذي سيقودها مستقبلًا

اللامركزية.. هل نوسع المشاركة أم نعيد إنتاج المركزية؟

أما ملف الإدارة المحلية فهو أكثر حساسية لأن اللامركزية في جوهرها ليست مجرد تقسيم إداري وإنما فلسفة تقوم على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي

ومن هنا فإن أي تعديل على مجنظومة الإدارة المحلية يجب أن يقاس جواب  أساسي:
هل يؤدي التعديل إلى توسيع المشاركة الشعبية أم إلى تقليصها؟

فالشاب الذي يترشح للانتخابات لا يبحث فقط عن مقعد بل يمارس حقًا سياسيًا أصيلًا ويتعلم من خلاله معنى المسؤولية العامة ويكتسب الخبرة السياسية والإدارية ويصبح قادرًا على التواصل مع أبناء منطقته وتحمل مسؤولية قراراته أمامهم

أما إذا أصبحت المشاركة في بعض مستويات الإدارة المحلية أقرب إلى التعيين فإننا نحتاج إلى ضمانات واضحة حتى لا تتحول اللامركزية من مشروع لتوسيع المشاركة إلى وسيلة لإعادة إنتاج القرار المركزي.

الشباب لا يريدون مقاعد شرفية
الشباب الأردني لا يطالب بأن يحصل على المواقع لمجرد عمره
هو يريد تكافؤ الفرص.

يريد أن تكون المنافسة على أساس الكفاءة والنزاهة والمؤهلات والخبرة والقدرة على الإنجاز

ويريد أن يعرف أن الطريق إلى المسؤولية العامة ليس مغلقًا أمامه

ولذلك فإن المطلوب من حكومة الدكتور جعفر حسان ليس مجرد الحديث عن الشباب، وإنما بناء سياسة حكومية واضحة لإدماج الشباب في الإدارة العامة وصناعة القرار.

سياسة تقوم على معايير معلنة للاختيار، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتمنحها فرصًا حقيقية في مجالس الإدارة والهيئات واللجان والمؤسسات العامة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخبرات الوطنية التي راكمت تجربتها عبر سنوات طويلة.

رسالة إلى الحكومة
دولة الرئيس الدكتور جعفر حسان،
الشباب الأردني لا يريد إقصاء جيل الآباء، ولا يريد أن يحل محل أصحاب الخبرة لمجرد أنه أصغر سنًا
يريد أن تكون له فرصة حقيقية في المنافسة، وفي الانتخاب، وفي التعيين وفق أسس موضوعية، وفي صناعة السياسات التي ستحدد مستقبله.

فإذا كنا نتحدث عن تحديث سياسي وإداري، فإن أحد أهم مؤشرات نجاح هذا التحديث هو: كم شابًا أصبح قادرًا على المشاركة الفعلية في صناعة القرار؟

وإذا كنا نريد بناء دولة حديثة، فإن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على القوانين والمؤسسات، وإنما تقوم أيضًا على تجديد النخب الإدارية والسياسية وفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الكفاءات.

إن الأردن لا يعاني من نقص في الشباب المبدع ولا من نقص في الشباب المتعلم ولا من نقص في الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية.

المشكلة الحقيقية هي: هل نمنحهم الفرصة؟

فالشباب ليسوا “قادة المستقبل” فقط الشباب هم جزء من قيادة الحاضر، ومن حقهم أن يكون لهم مكان حقيقي على طاولة القرار
والدولة التي تريد أن تبني مستقبلها، عليها ألا تكتفي بأن تتحدث عن الشباب بل أن تثق بهم، وتشركهم وتمنحهم الفرصة، ثم تحاسبهم على أساس الإنجاز والكفاءة.

هذه ليست مطالبة بجيل ضد جيل، وإنما مطالبة بدولة تجمع بين خبرة الأمس وطاقة اليوم ورؤية الغد

مواضيع قد تعجبك