*
الاحد: 30 أغسطس 2026
  • 29 أغسطس 2026
  • 22:45
لماذا عادت جنوب أفريقيا لملاحقة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية

خبرني  - بدأت جنوب أفريقيا تحركا جديدا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، وذلك عبر ملف موسع يثبت عدم التزام تل أبيب بالقرارات التي كان عليها الانصياع لها بشكل فوري، وهي خطوة يقول محللون إنها ستضع مزيدا من الضغط على الإسرائيليين لكنها لن تحقق مكاسب عاجلة للجانب الفلسطيني.

وأعلنت بريتوريا أمس الجمعة أنها قدمت في 25 أغسطس/آب الجاري ملفا موسعا، قالت إنه يتضمن معلومات وأدلة توثق عدم امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة الملزمة، التي سبق أن أصدرتها المحكمة لحماية الفلسطينيين في قطاع غزة.

وفي عام 2024، أصدرت محكمة العدل 3 قرارات منفصلة تضمنت بالخصوص منع الأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية وتسهيل وصول الخدمات والمساعدات الإنسانية.

وشمل القرار الثالث الصادر في مايو/أيار من العام نفسه أمرا بوقف الهجوم العسكري في مدينة رفح جنوب القطاع، وإبقاء المعبر مفتوحا أمام المساعدات.

وجاءت الخطوة الجديدة بينما دخلت القضية الأصلية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل عام 2023 مسارا قضائيا قد يمتد لسنوات، بعد أن قدمت تل أبيب مذكرة مضادة واعترضت على اختصاص المحكمة.

 

تجديد الضغط

وبسبب الجدلية الإسرائيلية، حددت المحكمة مواعيد لجولة جديدة من المرافعات تمتد حتى عام 2029، مما يمنح قضية التدابير الفورية ومراقبة تنفيذها على المدى القريب أهمية كبيرة، لأنه يحولها من معركة قضائية إلى اختبار سياسي للمجتمع الدولي، الذي يفترض أن يضمن تفادي وقوع ما وصفته محكمة العدل بالضرر الذي لا يمكن إصلاحه في غزة.

وتعكس هذه الخطوة شعور جنوب أفريقيا بضرورة زيادة الضغط على تل أبيب، التي لم تلتزم بالتدابير المؤقتة التي أصدرتها، بعدما تبين لها أن الحكم في هذه القضية لن يصدر قبل عام 2030 أو 2031، وفق أستاذ القانون الدولي ورئيس لجنة الأمم المتحدة السابق لحقوق الإنسان وليام تشاباس.

وكان متوقعا أن يصدر الحكم خلال العام الجاري أو العام المقبل، حسب ما قاله تشاباس خلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، مشيرا إلى أن هذا الأمر لم يحدث لأن المحكمة "تعمل بصبر وليس ببطء، ومن ثم كان ضروريا تسليط الضوء على عدم التزام إسرائيل وتقديم المستندات، حتى تبدأ المحكمة المرافعة الشفهية ومن ثم تصدر الحكم".

فما قامت به جنوب أفريقيا شجاع وجريء لتأكيد ما قامت به إسرائيل في القطاع وتوصيفه، لكن المشكلة أن المحكمة لا تملك أدوات لتنفيذ قراراتها على الأرض، وفق تشاباس، الذي قال إن الأمر "يتطلب تحركا دوليا، وإن التحرك الأخير ربما يدفع مزيدا من داعمي إسرائيل للابتعاد أو الحذر بشكل أكثر في التعامل معها، لكن هذا كله يظل جزءا صغيرا من قصة الفلسطينيين الكبيرة".

وتحدث تشاباس عن أحقية المحكمة في التحرك ذاتيا لمعاقبة إسرائيل على عدم التزامها بالتدابير المؤقتة، لكنه استبعد قيامها بذلك لأنها لا تمتلك أدوات لتنفيذ أي قرار جديد دون تضامن وضغط من عدة دول وليس من جنوب أفريقيا فقط، فضلا عن إمكانية تدخل واشنطن لمنع أي تحرك مناهض لتل أبيب.

 

خوف إسرائيلي أقل

لكن ردة الفعل الإسرائيلية على الخطوة الجديدة التي خطتها جنوب أفريقيا ضدها بقليل من الاهتمام، لأنها لم تعد معنية بالقانون الدولي أو العدالة في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، كما يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى.

فعندما تقدمت بريتوريا بدعواها الأولى كان الموقف الإسرائيلي موقفا مختلفا لأن جو بايدن كان ما يزال في البيت الأبيض ومن ثم كان هناك اعتقاد بإمكانية احترام القانون الدولي، وهو ما دفع تل أبيب للتعاطي مع المحكمة بل وقبول التدابير المؤقتة والتعهد بتنفيذها، حسب ما قاله مصطفى في "ما وراء الخبر".

أما في الوقت الراهن فلا مجال للحديث عن الخوف من القانون داخل إسرائيل التي يخرج بعض وزرائها مطالبين بقتل المدنيين في قطاع غزة لأنه "لا يوجد أبرياء بينهم"، دون أن يتحرك المستشار العسكري للحكومة لمحاكمته على هذه المطالبات، التي قال مصطفى إنها تتعارض تماما مع التزام تل أبيب أمام محكمة العدل.

صحيح أن الجيش أعلن قبل نحو أسبوعين عن التحقيق في نحو 170 قضية تتعلق بإمكانية وقوع مخالفات في غزة، قبل أن يعلن لاحقا عن إغلاق كافة التحقيقات باستثناء 4 فقط يمكن النظر فيها، ثم انتهى الأمر -وفق مصطفى- بالتحقيق في قضيتين إحداهما تتعلق بقتل الطفلة هند رجب، لأنها أحدثت صدى دوليا.

فالمسألة كلها دعائية، برأي مصطفى، الذي قال إن إسرائيل معنية بصورتها العالمية وخصوصا داخل الولايات المتحدة، حتى لا تفقد مكانتها في المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، مضيفا "مع ذلك، ستواجه تل أبيب اليوم ضغوطا أكبر لأن إثبات جريمتها بات أكثر سهولة، ولأن قضاءها تواطأ في هذه الإبادة".

 

تعويل فلسطيني أقل

وحتى الفلسطينيين، لم يعودوا يعولون على محكمة العدل كثيرا لتحقيق خطوات عاجلة لحمايتهم وتحسين أوضاعهم المعيشية التي لم تتحسن بسبب قرارات المحكمة ولا قرار مجلس الأمن "2803" الذي نص على ضرورة تحسين الأوضاع المعيشية بشكل عاجل، كما يقول المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور إياد القرا.

فقد أدرك الفلسطينيون أن إسرائيل لم تعد تكترث للمجتمع ولا لمحكمة العدل، وأنها تعتمد على المظلة الأمريكية بشكل كامل، وفق القرا، الذي قال لـ"ما وراء الخبر"، إن المحكمة نفسها باتت مستهدفة من تل أبيب وواشنطن.

ولم يقلل القرا من أهمية التحرك الجنوب أفريقي الأخير، مؤكدا أنه بحاجة لدعم إقليمي ودولي وربما يكون حافزا لمزيد من الدول على الانضمام للقضية لأنها تدعم السردية الفلسطينية وتؤكد أن ما جرى في القطاع كان إبادة جماعية لا تسقط بالتقادم.

بالتالي، لا يمكن الحديث عن تحول إستراتيجي في أوضاع القطاع بسبب هذه الخطوة جنوب أفريقيا الأخيرة، برأي القرا، الذي جدد التأكيد على عدم اكتراث إسرائيل بالقانون أو المجتمع الدولي، فضلا عن تنصلها من كل الاتفاقات التي قبلت بها.

مواضيع قد تعجبك