خبرني - تواصل إسرائيل احتجاز مئات جثامين الشهداء الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وأراضي 48، رغم زوال الذريعة التي استخدمتها لتبرير هذه السياسة، والمتمثلة في استخدام الجثامين كورقة مساومة في صفقات تبادل الأسرى.
وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن إسرائيل تحتجز نحو 1700 جثمان لشهداء فلسطينيين، فيما أحصت مصادر فلسطينية، بينها الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، 799 جثمانًا محتجزًا (لا يشمل جثامين 3 شهداء احتجزت إثر غارة إسرائيلية على جنين الجمعة).
ويأتي ذلك في ظل رفض السلطات الإسرائيلية نشر العدد الدقيق للجثامين التي تحتجزها وظروف احتجاز كل منها، فيما يُرجّح أن تكون عشرات أو مئات الجثامين من قطاع غزة محتجزة من دون أن تتمكن الجهات الرسمية من رصدها أو تحديد مصيرها.
ورغم إعادة جميع الأسرى الإسرائيليين، الأحياء والأموات، من قطاع غزة، وبطلان الذريعة الرئيسية التي استندت إليها سياسة احتجاز الجثامين، تواصل السلطات الإسرائيلية احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، بل وتضيف إليها المزيد.
جثامين شهداء من أراضي 48
طرأ تغيير لافت على سياسة إسرائيل في احتجاز الجثامين منذ بدء الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ بدأت السلطات الإسرائيلية باحتجاز جثامين شهداء من أراضي 48، في سابقة خطيرة.
ومنذ ذلك التاريخ، احتجزت السلطات الإسرائيلية 19 جثمانًا لشهداء من أراضي 48، أفرجت عن ستة منها بعد فترات متفاوتة من استشهاد أصحابها، فيما لا تزال تحتجز 13 جثمانًا حتى اليوم.
والشهداء الـ13 هم: وليد دقة، وجمعة أبو غنيمة، وفادي أبو الطيّف، وناجي أبو فريح، وسعد أبو غانم، وجواد ربيع، وعلاء نزّال، ورامي نصر الله، وزياد أبو صبيح، وأحمد العقبي، وكرم جبارين، وعمر ياسين، وعماد راجح سرحان.
مماطلة الدولة والمحكمة تعمّقان جرح العائلة
وقالت ابنة الشهيد رامي نصر الله، دعاء نصر الله، ، إن "المحامي قدّم إلى المحكمة جميع الأدلة التي تؤكد أن ما جرى مع والدي كان حادثًا، وليس عملية على خلفية قومية، ورغم ذلك استمرت الجلسات لفترة طويلة، وتأجلت القضية مرارًا وتكرارًا، فيما اقتربنا من الذكرى الثانية لاحتجاز جثمان والدي في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل"، بحسب عرب 48.
وأكدت نصر الله أن "العائلة تشعر بأن التعامل مع القضية لم يكن منصفًا، وإن المحكمة نفسها أبدت ملاحظات بشأن كيفية التعامل مع الحادثة وطول أمد الإجراءات. والدي ضحية عمله وضحية العنصرية الموجودة في هذه البلاد".
وفيما يتعلق بالحالة الصحية لوالدها قبل وفاته، أوضحت نصر الله أن "والدي كان قد تعرض في السابق لحادث أثناء عمله، خضع على إثره لعمليات جراحية، لم تنجح إحداها بالشكل المطلوب، ما اضطره إلى استخدام أدوية قوية لتخفيف الآلام. وقدّم المحامي التحاليل والتقارير الطبية التي تثبت صحة هذا الكلام".
وأشارت إلى أن "احتجاز جثمان والدي وعدم دفنه حتى اليوم يترك أثرًا نفسيًا بالغًا على جميع أفراد العائلة، ولا سيما والدتي. استغرق الأمر أكثر من سنة حتى بدأت تستوعب أنه توفي، لكن عدم دفنه جعل الأمر أكثر صعوبة علينا جميعًا، وما زال يؤثر فينا حتى اليوم".
ولفتت نصر الله إلى تعامل السلطات الإسرائيلية مع العائلة في أعقاب مقتل والدها، موضحة أن "قوات الشرطة اقتحمت منزل العائلة في اليوم نفسه وأجرت عمليات تفتيش واسعة فيه. ولم تقتصر التداعيات على ذلك، إذ انعكس ما جرى على الوضع المعيشي للعائلة، فقدت والدتي عملها، كما واجهت شقيقاتي صعوبات في أماكن عملهن، بينما لم تحصل والدتي على الحقوق والمخصصات التي كان يفترض أن تحصل عليها بعد وفاة والدي".
وتابعت: "بقيت العائلة من دون مصدر دخل لفترة، ولم تتلقَّ دعمًا كافيًا، باستثناء المساعدات التي قدمتها جهات وأفراد من المجتمع المحلي. واليوم ننتظر قرار المحكمة، المفترض أن يصدر خلال الشهر المقبل، ونتمنى استعادة جثمان والدي لنكرمه وندفنه".
زوال الادعاء واستمرار احتجاز الجثامين
من جهتها، قالت المحامية في مركز "عدالة" الحقوقي، سلام إرشيد، إن "المركز يتابع ملفات سبعة جثامين لمواطنين فلسطينيين من الداخل (أراضي 48)، احتجزتها إسرائيل منذ العام 2024، وهم: وليد دقة، وجمعة أبو غنيمة، وناجي أبو فريح، وسعد أبو غانم، وجواد ربيع، وزياد أبو صبيح، وأحمد العقبي".
وأشارت إرشيد إلى أن "الجثامين محتجزة منذ نحو عامين إلى عامين ونصف، وقد اتخذ عدالة خلال هذه الفترة سلسلة من الإجراءات القضائية أمام المحكمة العليا، مطالبًا بالإفراج عنها، استنادًا إلى عدم وجود صلاحية قانونية واضحة تتيح احتجاز جثامين مواطنين".
وأوضحت أن "المحكمة العليا رفضت الالتماسات السابقة، بما في ذلك طلب عقد جلسة إضافية للنظر في القضية، وتبنت موقف الدولة المستند إلى قرارات اتخذها المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) خلال العام 2024، والتي أتاحت احتجاز الجثامين بهدف استخدامها المحتمل في إطار صفقات لتبادل الأسرى".
وبيّنت إرشيد أن "قرارات الكابينيت كانت عامة، ولم تتناول كل حالة بصورة فردية، ولم تبيّن الأسباب المحددة التي تبرر احتجاز كل جثمان على حدة، ما يشكل مسًّا بحقوق العائلات وبكرامة المتوفين، إلى جانب الإشكال القانوني المتعلق بغياب صلاحية صريحة وواضحة للاحتجاز".
وذكرت أن "عدالة جادل أمام المحكمة بأن هذه السياسة لا تستند إلى أساس قانوني ودستوري كافٍ، ولا تفسر الحاجة إلى احتجاز كل جثمان على حدة، إلا أن المحكمة لم تقبل هذه الادعاءات خلال الإجراءات السابقة".
وأوضحت إرشيد أن "التطورات التي أعقبت صفقة تبادل الأسرى الأخيرة في بداية العام الحالي أوجدت واقعًا قانونيًا جديدًا، بعدما أعيد إلى إسرائيل الأسرى والجثامين الذين كانوا محتجزين في قطاع غزة، الأمر الذي يعني أن الهدف الذي قدمته الدولة سابقًا لتبرير احتجاز الجثامين لم يعد قائمًا".
وتابعت أن "المركز تقدّم في نيسان/ أبريل الماضي بالتماس جديد إلى المحكمة العليا للمطالبة بتحرير جثامين ستة مواطنين، كانت جثامينهم محتجزة في تلك المرحلة منذ ما بين عامين وعامين ونصف".
وقالت إرشيد إن "المحكمة منحت الدولة في البداية مهلة قصيرة لتقديم ردها، إلا أن الدولة واصلت طلب تمديد المهلة مرة تلو أخرى، بذريعة أنها لم تستكمل بعد الحصول على مواقف الجهات والسلطات ذات الصلة".
ورأت أن "هذه المماطلة أبقت الجثامين محتجزة من دون أساس قانوني قائم، إذ إن الذريعة التي اعتمدت عليها الدولة في السابق لم تعد موجودة، فيما لم تقدم مبررًا قانونيًا جديدًا يفسر استمرار الاحتجاز".
وأشارت إرشيد إلى أن "استمرار احتجاز الجثامين في هذه الظروف يمس بصورة مباشرة بحقوق العائلات، التي لا تعرف مصير جثامين أبنائها أو موعد الإفراج عنها، ويحرمها من دفنهم وفق تعاليم الدين".
ولفتت كذلك إلى أن "بعض الملفات لا تتعلق بحالات صدر فيها قرار نهائي يحدد بصورة قاطعة خلفية الوفاة أو ملابساتها، وأن هناك حالات لم تثبت فيها خلفية قومية، وإنما ارتبطت بحوادث أو بادعاءات أمنية لم تُحسم بصورة نهائية".
وذكرت إرشيد أن "المحكمة حددت للدولة مهلة حتى 15 أيلول/ سبتمبر المقبل لتقديم ردها على الالتماس، مع التنبيه إلى أن منح تمديدات إضافية سيكون في ظروف استثنائية، فيما لم يكن واضحًا ما إذا كانت الدولة ستقدم موقفها النهائي ضمن الموعد المحدد".



