*
الاربعاء: 26 أغسطس 2026
  • 26 أغسطس 2026
  • 20:15
المولد النبوي كيف بدأ الاحتفال ولماذا انقسم العلماء حوله

خبرني - أصبح المولد النبوي مناسبة حاضرة في وجدان ملايين المسلمين، لكن الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن على صورة واحدة عبر التاريخ.\

بين روايات تربط بدايات الاحتفال الرسمي بالعصر الفاطمي، ومصادر تاريخية تشير إلى احتفالات منظمة في الموصل ثم أربيل، نشأ خلاف علمي وفقهي مستمر حول أصل المناسبة وشكل الاحتفال بها، وما إذا كانت مظهرًا مشروعًا للتعبير عن محبة النبي أم ممارسة دينية مستحدثة.

وفي كل ذكرى المولد النبوي، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة: متى بدأ الاحتفال بهذه المناسبة؟ وهل احتفل بها المسلمون في القرون الأولى؟ ومن أول حاكم جعلها مناسبة عامة؟ ولماذا أجاز بعض كبار العلماء الاحتفال بها، بينما رفضها آخرون وعدّوها من البدع؟

هل بدأ الاحتفال بالمولد النبوي مع الفاطميين؟
تُعد الدولة الفاطمية واحدة من أبرز المحطات التي ترتبط بتاريخ الاحتفال بالمولد النبوي، إذ تشير مصادر تاريخية إلى وجود مظاهر احتفالية بالمولد في القاهرة خلال العصر الفاطمي، ضمن مجموعة من المناسبات التي كانت الدولة تحييها بطقوس ومظاهر اجتماعية مختلفة.

لكن اختزال تاريخ المولد النبوي في الفاطميين باعتبارهم «أول من احتفل به على الإطلاق» يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فالمصادر التاريخية والفقهية لا تقدم رواية واحدة متفقًا عليها بشأن البداية.

ويوضح الدكتور محمد أبو العنين، الباحث في التاريخ الإسلامي، في تصريح خاص لـ« العين الإخبارية» أن التعامل مع هذه المسألة يحتاج إلى التمييز بين «ظهور المولد كمناسبة ذات طابع رسمي أو سياسي»، وبين تطور الاحتفال به لاحقًا في البيئات السنية، موضحًا أن نسبة بداية الاحتفال إلى جهة تاريخية واحدة بصورة مطلقة تتجاهل اختلاف الروايات والمصادر وتطور المناسبة عبر مراحل زمنية متباعدة.

وتدعم المصادر التاريخية هذا التفريق؛ فهناك إشارات إلى مظاهر للمولد في مصر خلال العصر الفاطمي، بينما تنقل مصادر أخرى أن الاحتفال المنظم ظهر في مناطق أخرى لاحقًا بصورة مختلفة. 

عمر الملا.. محطة أخرى في تاريخ المولد
بعيدًا عن الرواية التي تجعل الفاطميين نقطة البداية الوحيدة، تظهر في المصادر أسماء بارزة ارتبطت بتطوير الاحتفال بالمولد في العالم الإسلامي، من بينها الشيخ عمر الملا في الموصل، ثم الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، حاكم أربيل في العصر الأيوبي.

وتنقل مصادر تاريخية أن عمر الملا كان يقيم احتفالًا سنويًا في أيام مولد النبي صلى الله عليه وسلم، يحضره صاحب الموصل والشعراء، وتلقى فيه المدائح النبوية. وبعد ذلك اشتهر الملك المظفر كوكبري باحتفال واسع ومنظم بالمولد في أربيل. 

ويشرح الأستاذ الدكتور علي محمد الشافعي، الباحث في التاريخ الإسلامي، في تصريحه لـ« العين الإخبارية» أن أهمية الملك المظفر في هذه القصة لا ترتبط فقط بكونه حاكمًا أقام احتفالًا بالمولد، وإنما بحجم التنظيم الذي ارتبط بالمناسبة في عهده، حتى أصبحت نموذجًا تاريخيًا بارزًا في كتب العلماء والمؤرخين.

ويشير إلى أن الإمام جلال الدين السيوطي ذكر في «حسن المقصد في عمل المولد» أن الملك المظفر كان من أبرز من أحدثوا هذا الاحتفال بصورته الكبيرة، فيما نقل ابن كثير أيضًا وصفًا موسعًا لاحتفاله بالمولد. 

ماذا قال السيوطي عن الاحتفال بالمولد؟
يحتل كتاب «حسن المقصد في عمل المولد» للإمام جلال الدين السيوطي مكانة مهمة في النقاش التاريخي والفقهي حول هذه المناسبة؛ إذ لم يكتف السيوطي بالإشارة إلى تاريخ الاحتفال، وإنما ناقش حكمه، وذهب إلى أن اجتماع الناس وقراءة القرآن ورواية الأخبار المتعلقة بمولد النبي، ثم إطعام الناس، يمكن أن يدخل في باب «البدع الحسنة» إذا خلا من المخالفات.

كما ربط السيوطي ذلك بإظهار الفرح والاستبشار بمولد النبي صلى الله عليه وسلم. 

ويرى الباحث عبد الرحمن أسعد، المتخصص في التراث الإسلامي، في تصريح خاص لـ« العين الإخبارية» أن أهمية نص السيوطي تكمن في أنه يكشف عن طبيعة الجدل في عصره؛ فالمسألة لم تكن مجرد عادة شعبية، بل تحولت إلى موضوع للبحث الفقهي، وأصبح السؤال الأساسي هو: ما الذي يحدث داخل الاحتفال؟ وهل يشتمل على أمور مشروعة أم على ممارسات تخالف أصول الشريعة؟

ويضيف أن هذا التفريق ضروري لفهم التاريخ؛ لأن وصف «المولد» لا يشير بالضرورة إلى شكل واحد ثابت، وإنما إلى مظاهر متعددة تغيرت باختلاف الأزمنة والأماكن والمجتمعات.

علماء أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي
لم يكن الرأي المؤيد للاحتفال بالمولد مقصورًا على عالم واحد، فقد نقلت المصادر آراء لعدد من العلماء الذين رأوا جوازه أو استحسانه إذا اقتصر على المظاهر التي تتفق مع أصول الشريعة، مثل قراءة القرآن، وإطعام الطعام، والصدقة، وذكر السيرة النبوية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن الأسماء التي ارتبطت بهذا الاتجاه جلال الدين السيوطي، وابن حجر العسقلاني، وأبو شامة، وغيرهم، مع اختلاف التفاصيل والعبارات بين كل عالم وآخر.

ويشير الدكتور محمد أبو العنين إلى أن قراءة هذه المواقف تحتاج إلى عدم التعامل معها باعتبارها «إجماعًا» على الاحتفال؛ فحتى العلماء الذين أجازوا صورًا منه ربطوا ذلك بمحتواه وكيفيته، ولم يجعلوا كل ممارسة مرتبطة بالمولد مقبولة بالضرورة.

وتوضح إحدى الدراسات الرسمية المنشورة عبر وزارة الأوقاف المصرية أن مناقشة المسألة تاريخيًا شهدت بالفعل خلافًا حول أسبقية الفاطميين أو الاحتفالات السنية اللاحقة، وأن من أبرز الاحتفالات السنية المنظمة احتفال الملك المظفر في أربيل. 

ولماذا رفض علماء آخرون الاحتفال؟
في المقابل، ظهر اتجاه فقهي يرى أن تخصيص يوم المولد باحتفال ديني لم يكن معروفًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين، وبالتالي لا يجوز تحويله إلى موسم ديني.

ومن أبرز الأسماء التي عُرف عنها هذا الاتجاه ابن تيمية، الذي ناقش تخصيص بعض المواسم الدينية التي لم ترد عن السلف، ثم جاء بعده عدد من العلماء الذين تبنوا الموقف نفسه، ومن بينهم علماء من المدرسة السلفية في العصر الحديث.

ويؤكد الأستاذ الدكتور علي محمد الشافعي أن الخلاف هنا لا يتعلق بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهذه المحبة أصل ثابت في العقيدة الإسلامية، وإنما يتعلق بالسؤال الفقهي حول «تخصيص يوم معين بصورة احتفالية دينية» لم يرد تخصيصه بهذه الطريقة في النصوص الأولى.

وهنا تحديدًا يكمن سبب استمرار الجدل؛ فالفريق المؤيد ينظر إلى مضمون الاحتفال وما يشتمل عليه من ذكر وسيرة وصدقة وصلاة على النبي، بينما يركز الرافضون على أصل تخصيص المناسبة وطريقة إحداثها.

هل صيام النبي يوم الإثنين دليل على الاحتفال بالمولد؟
من أكثر الأدلة التي يستشهد بها المؤيدون للاحتفال بالمولد ما ورد في الحديث الصحيح عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الإثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه».

ويرى أنصار الاحتفال أن الحديث يكشف عن مشروعية استحضار نعمة الميلاد وشكر الله عليها، بينما يرى المعارضون أن الحديث يتعلق بصيام يوم الإثنين، ولا يتضمن أمرًا بإقامة احتفال سنوي بالمولد.

ويقول الباحث عبد الرحمن أسعد إن هذه النقطة تحديدًا تكشف الفارق بين «أصل التذكر والشكر» وبين «الهيئة الاحتفالية»، فثبوت صيام النبي يوم الإثنين لا يعني بالضرورة أن كل صورة لاحقة للاحتفال بالمولد تستمد مشروعيتها مباشرة من الحديث.

ومن ثم، فإن الاستدلال بالحديث يحتاج إلى النظر في كيفية تنزيل معناه على المناسبة، وهو أحد الأسباب التي جعلت المسألة محل اجتهاد فقهي طويل.

يظل احتفال الملك المظفر في أربيل أحد أكثر الأحداث ارتباطًا بتاريخ المولد النبوي؛ فقد نقلت كتب التاريخ أوصافًا تفصيلية لحجم الاحتفال، وما كان يقدم خلاله من الطعام، وحضور العلماء والشعراء وأهل التصوف.

ويذكر السيوطي أن الملك المظفر كان ينفق مبالغ كبيرة على المولد، كما نقل عن ابن خلكان أن العالم ابن دحية قدم إلى أربيل، وألف للملك كتابًا عن مولد النبي بعنوان «التنوير في مولد البشير النذير»، وقرأه عليه. 

ويقول الدكتور محمد أبو العنين إن هذه الروايات مهمة لأنها تؤكد أن المولد تحول في بعض البيئات الإسلامية، خلال القرون الوسطى، من مناسبة محدودة إلى حدث اجتماعي واسع تشارك فيه السلطة والعلماء وعامة الناس.

لكن ضخامة الاحتفال تاريخيًا لا تعني في حد ذاتها الحكم عليه بالمشروعية أو عدمها، لأن ذلك يبقى مسألة فقهية مستقلة عن الوصف التاريخي.

من مناسبة دينية إلى ظاهرة اجتماعية
على امتداد القرون، خرج المولد النبوي من إطار المجالس العلمية والمدائح إلى فضاء اجتماعي أوسع، وأصبح في كثير من المجتمعات مناسبة تلتقي فيها العبادة بالعادات الشعبية.

ففي بعض البلدان تقام مجالس قراءة السيرة والمدائح، وفي أخرى تنتشر الصدقات وإطعام الطعام، بينما ارتبطت المناسبة في مناطق مختلفة بحلويات وأطعمة تقليدية وزيارات عائلية وفعاليات عامة.

ويرى الباحث عبد الرحمن أسعد أن هذا التطور الاجتماعي هو أحد أهم مفاتيح فهم المولد في العصر الحديث؛ فالمناسبة لم تعد تؤدى بالطريقة نفسها التي كانت عليها في القرون الماضية، وإنما أخذت شكلًا مختلفًا وفق ثقافة كل مجتمع.

ويضيف أن الفصل بين «جوهر المناسبة» و«المظاهر الاجتماعية التي تراكمت حولها» يساعد على قراءة الظاهرة بعيدًا عن الاختزال، خصوصًا أن بعض المظاهر قد تكون عادات اجتماعية لا أحكامًا دينية في ذاتها.

المولد النبوي بين المحبة والاتباع
لا ينكر أحد من الاتجاهين قيمة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الخلاف يدور حول أفضل طريقة للتعبير عنها.

ويؤكد الأستاذ الدكتور علي محمد الشافعي أن التاريخ الإسلامي يكشف عن ظاهرة أوسع من مجرد الاحتفال؛ فالمجتمعات الإسلامية عبر القرون عبرت عن محبتها للنبي من خلال كتابة السيرة، والمدائح، وإنشاء المدارس، وإطعام الطعام، والصدقات، وتعليم الحديث، وهي صور متعددة لا يمكن اختزالها جميعًا في «الاحتفال» بمعناه المعاصر.

ومن هذه الزاوية، يرى الباحثون أن المولد يمكن دراسته بوصفه ظاهرة دينية واجتماعية وتاريخية في الوقت نفسه، لا باعتباره مسألة فقهية مجردة فقط.

هل الاحتفال بالمولد «بدعة» بإطلاق؟
هذه العبارة هي محور جانب كبير من الجدل، لكن الإجابة تختلف بحسب المدرسة الفقهية التي يُنظر من خلالها إلى المسألة.

فالعلماء الذين يرفضون الاحتفال يرون أن تخصيص المناسبة واعتبارها موسمًا دينيًا لم يرد عن السلف، ولذلك يصفونه بالبدعة. بينما يميز علماء آخرون بين «العبادة المستحدثة» وبين اجتماع الناس على أعمال مشروعة أصلًا، مثل القرآن والصدقة والصلاة على النبي ودراسة سيرته، ويرون أن الحكم يتغير بحسب مضمون الاحتفال وطريقته.

وتوضح وزارة الأوقاف المصرية أن مسألة المولد من المسائل التي كثرت حولها الشبهات والخلافات، وتعرض في معالجتها التاريخية روايات مختلفة بشأن بدايات الاحتفال، بما فيها رواية عمر الملا ثم الملك المظفر، وليس الفاطميين وحدهم. 

بعد مرور قرون على ظهور الاحتفال بالمولد بصورته التاريخية، لا تزال المناسبة واحدة من أكثر المناسبات الإسلامية حضورًا في المجتمعات التي تحييها، وفي الوقت نفسه ما زال الخلاف الفقهي حولها قائمًا بين المدارس والتيارات الإسلامية.

ويرى الدكتور محمد أبو العنين أن استمرار الجدل نفسه جزء من تاريخ المولد؛ فالمناسبة لم تكن ثابتة الشكل منذ بدايتها، وإنما تغيرت بتغير الدول والمجتمعات والعلماء، ولذلك فإن محاولة تقديم رواية واحدة باعتبارها «التاريخ الكامل للمولد» قد تكون مضللة.

أما الأستاذ الدكتور علي محمد الشافعي فيرى أن دراسة المولد تحتاج إلى الجمع بين التاريخ والفقه؛ فالتاريخ يجيب عن سؤال «متى وكيف ظهر؟»، بينما يجيب الفقه عن سؤال «ما حكم الصورة التي ظهر بها؟»، وهما سؤالان مختلفان لا ينبغي دمجهما.

ويؤكد الباحث عبد الرحمن أسعد أن النقاش الأكثر فائدة اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى صراع حول المظاهر وحدها، بل إلى استحضار السيرة النبوية وقيمها في حياة المسلمين؛ فالحديث عن مولد النبي لا يكتمل بمجرد الاحتفال بتاريخ، وإنما يرتبط بما تركته الرسالة من قيم في العبادة والأخلاق والعلم والرحمة والتكافل.

وهكذا، فإن قصة المولد النبوي ليست قصة مناسبة ظهرت فجأة ثم استمرت على صورتها نفسها، بل تاريخ طويل تداخلت فيه السياسة والمجتمع والثقافة والفقه والتراث، وانتقلت خلاله المناسبة من صور احتفالية محدودة إلى ظاهرة اجتماعية واسعة في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي.

ويبقى الخلاف حول حكم الاحتفال قائمًا بين العلماء، لكن المؤكد تاريخيًا أن المولد أصبح جزءًا راسخًا من الذاكرة الدينية والاجتماعية لكثير من المجتمعات الإسلامية، وأن قصته تمتد عبر قرون من النقاش حول العلاقة بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنها، وحدود ما يمكن إضافته إلى الممارسات الدينية.

مواضيع قد تعجبك