بعد جيلين من بلوغ صيد الحيتان ذروته، باتت الحيتان تعني للبشر اليوم أشياء مختلفة تماماً، فعندما يقرأ معاصرون اليوم رواية "موبي ديك"، فإن كثيرين منهم يتعاطفون مع الحوت، لا مع صائد الحيتان، وخلال القرن الماضي، أدى التحول الاقتصادي إلى تقليص صيد الحيتان التجاري، رغم عدم اختفائه تماماً، فعلى الرغم من الحظر الدولي، لا تزال النرويج وأيسلندا واليابان تصطاد الحيتان من أجل تحقيق أرباح، بيد أن شعور بالإعجاب بهذه الحيتان والرغبة في إنقاذها حلّ، إلى حد كبير، محل الشعور بالخوف والاستغلال الاقتصادي الذي اتسمت به علاقتنا بالحيتان في عصر ملفيل.

وأصبح البشر اليوم يتبنون فكرة أن الحيتان تردّ على قسوة البشر، وحتى إن كنا لا نعرف بعد ما الذي تفعله تحديداً، فإن قصصنا عنها قد تغيرت، ففي السنوات الماضية، أصبحت الحوادث المتزايدة التي تصدم فيها حيتان الأوركا، المعروفة أيضاً باسم الحيتان القاتلة، القوارب قبالة سواحل إسبانيا والبرتغال تُعرف على وسائل التواصل الاجتماعي باسم "انتفاضة الأوركا"، رغم أن العلم لا يمتلك حتى الآن أدلة كثيرة تثبت أن أفعالها عدائية متعمّدة.

وكانت إحدى المحطات المهمة في تحوّل صورة الحوت في نظر البشر عام 1967، عندما سجّل عالم الأحياء الأمريكي، روجر باين، أغاني الحيتان، فتأثر البشر بها، ومنذ ذلك الوقت، أظهرت مجموعة كبيرة من الدراسات أن الحيتان قادرة على تبني أشكال معقدة من التواصل الذي كان يُعتقد ذات يوم أنها ميزة للبشر دون غيرهم، فهل يمكن أن تكون الحيتان قادرة أيضاً على مبادلة البشر مشاعر لطيفة؟

وفي كتابي، أنقل روايات عن صيادين فيتناميين أنقذتهم حيتان، وهي روايات أسهمت في تشكيل معتقداتهم الشعبية، كما تحدثت مع نان هاوزر، عالمة متخصصة في الحيتان أنقذها حوت أحدب، كما رصدت دراسات عالم البيئة البحرية، روبرت بيتمان، سلوكاً من الإيثار بين أنواع لدى الحوت الأحدب، تنقذ حيوانات بحرية مثل الفقمات من حيتان الأوركا.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الروايات والدراسات تعزز الإحساس بأن للحيتان عالماً داخلياً قد يضاهي عالمنا.

ويقول تشيس كوفين، من نانتوكيت، وهو سليل أوين تشيس، وتفخر عائلته بتراثها في صيد الحيتان، إن مشاعرهم تجاه الحيتان قد تغيّرت، ويضيف: "تتبرع عائلتي الآن كل عام لمنظمة إنقاذ الحيتان، وأنا كنت نباتياً معظم حياتي".

لقد أظهر لنا ملفيل في روايته "موبي ديك" كيف نصنع وحوشنا من الخوف والشعور بالذنب اللذين نكبحهما داخل أنفسنا، وإذا تجاوزنا التصورات التي نسقطها نحن على تلك الكائنات، فقد نتمكن أخيراً من تسليط الضوء على الأعماق الحقيقية لهذه الحيوانات.