أخذتني ذاكرتي، بعد طقوس الاحتفالات الصاخبة والمبالغ بها التي اجتاحت المملكة يوم أمس احتفالًا بنتائج الثانوية العامة –غير النهائية لمنتصف العام (من 30%)، والتي لا تعدو كونها مؤشرًا مبدئيًا فقط– إلى طقوس نتائج الفصل الأول في امتحانات القرن الماضي.
في ذلك الحين، كان الطلاب والأهالي يستقبلون النتيجة بهدوء تام ودون أي مظاهر احتفالية، وكأنهم يحضرون أنفسهم للنتيجة النهائية الحاسمة.
وبالمناسبة، فقد كانت النتيجة حينذاك تُحتسب من 50%، مما يعني أن الطالب كان قد أمّن نصف مقعده الجامعي وأدى الجزء الأكبر من المهمة، وبقي النصف الآخر. أما اليوم، فتقاس النتيجة من 30% فقط، ومع ذلك يُعامَل الأمر وكأن الطالب قد أمّن مقعده نهائيًا في الجامعة، مع أن أمامه 70% كاملة ليحصل عليها في الامتحانات النهائية!
انتقلت الاحتفالات سريعًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق الفرح ومشاركة التهاني بطريقة معدية، وأصابت عدواها الأهالي، ليجدوا أنفسهم منغمسين في جوقة الاحتفالات دون تخطيط مسبق.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأهالي ممن أنهكتهم مصاريف الدراسة طوال العام الدراسي الماضي، قام بعضهم بالاستدانة ليمنحوا أبناءهم حقهم في فرحة تشبه فرحة أقرانهم من الناجحين.
إن المفرقعات النارية التي ملأت السماء يوم أمس، ومحال الحلويات التي ضجت عن آخرها بالمحتفلين، ومواكب السيارات التي أطلقت أبواقها إلى ساعات متأخرة تقترب من الفجر، وعلو صوت الزغاريد في الأجواء، لم تكن سوى تعبير واضح لتفريغ الطاقة السلبية التي عانى منها الطلاب وأهاليهم طوال الفترة الماضية؛ نتيجة الضغط المستمر من الالتزام بالدروس الخصوصية، سواء بالوقت أو بالدفع المادي، وبطاقات التدريس، والدوسيات، والتلخيصات المتراكمة.
لا ننكر على الأهالي والطلبة فرحتهم، بل نُشاركهم إياها بكل سرور، ولكننا نُذكّرهم بأن قطع أقل من نصف الطريق لا يعني الوصول إلى النجاح؛ فما زال أمامهم مشوار طويل، وللنجاح في نهاية العام طابع الانتصار الحقيقي.



