يقول المثل الشعبي الأردني: «عِشْ رجبًا تَرَ عجبًا»، وما بالك ونحن نعيش في شهر آب اللاهب، وسط أجواء من الحرّ الشديد، وانقطاعات أو أزمات في المياه، وأحيانًا التيار الكهربائي، بينما نشاهد عبر شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي ما يجري تحت القبة من مواقف وممارسات ومغالطات لا تسرّ البال.
في العمل النيابي، لا تكمن المشكلة في أن يكون النائب مؤيدًا للحكومة؛ فالتأييد بحد ذاته ليس عيبًا، وقد يكون موقفًا وطنيًا عندما يكون نابعًا من قناعة بأن سياسات الحكومة تخدم المصلحة العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التأييد إلى تبعية، وعندما يصبح النائب مدافعًا عن الحكومة أكثر من كونه ممثلًا للمواطن.
فالنائب الذي يدخل القبة إنما يدخلها حاملًا ثقة الناخبين وأصواتهم ومطالبهم. ومن المفترض أن يكون صوته تعبيرًا عن مصالحهم، وأن يمارس دوره في التشريع والرقابة والمساءلة. أما الحكومة، فهي السلطة التنفيذية التي يفترض أن تخضع لرقابة البرلمان، لا أن يتحول بعض أعضائه إلى أدوات للدفاع عنها وتبرير قراراتها.
وفي المشهد السياسي الراهن، تبرز ظاهرة تستحق التوقف عندها: النائب الذي أصبح حكومة أكثر من الحكومة نفسها. فهو لا يكتفي بتأييد قرارات السلطة التنفيذية، بل يتولى الدفاع عنها وتبرير سياساتها، والرد على منتقديها، وربما الوقوف في وجه مطالب المواطنين عندما تتعارض مع توجهات الحكومة.
وهنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا ومباشرًا
إذا كان النائب سيقوم بدور المدافع عن الحكومة في كل الظروف، فمن يقوم بدور المدافع عن المواطن؟
إن وظيفة النائب ليست أن يكون خصمًا للحكومة، كما أنها ليست أن يكون موظفًا لديها. دوره الحقيقي يقوم على التوازن: يتعاون عندما تكون هناك مصلحة عامة، ويراقب عندما يكون هناك خلل، ويسائل عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
فالنائب القوي ليس من يعارض الحكومة في كل شيء، ولا من يصفق لها في كل شيء. النائب القوي هو الذي يمتلك استقلالية القرار، فيقول «نعم» عندما تكون «نعم» في مصلحة الناس، ويقول «لا» عندما تكون «لا» ضرورة لحماية حقوقهم ومصالحهم.
أما عندما يصبح النائب أكثر حرصًا على تبرير مواقف الحكومة من حرصه على نقل معاناة المواطنين، وعندما يتحول من مراقب للسلطة التنفيذية إلى مدافع عنها، فإننا نكون أمام خلل في مفهوم التمثيل النيابي.
فالبرلمان ليس امتدادًا للحكومة، والقبة ليست منصة للدفاع عن السلطة التنفيذية، والمقعد النيابي ليس موقعًا وظيفيًا لخدمة الحكومة. إنه تكليف شعبي، ومسؤولية دستورية، وأمانة أمام الناخبين.
ولعل الأخطر في هذه الظاهرة أن المواطن قد لا يعود قادرًا على التمييز بين من يمثله ومن يحكمه. فإذا أصبح النائب يتحدث بلسان الحكومة، ويدافع عن قراراتها، ويبرر سياساتها، بينما تتراجع مطالب المواطن إلى المرتبة الثانية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل ما زال النائب يمثل المواطن، أم أصبح يمثل الحكومة؟
إن قيمة النائب لا تُقاس بعدد المرات التي دافع فيها عن الحكومة، ولا بمدى قربه منها، وإنما بقدرته على الحفاظ على استقلالية موقفه، والانحياز إلى المصلحة العامة، وممارسة دوره الرقابي حتى عندما يكون ذلك غير مريح للسلطة التنفيذية.
فالنائب الذي يصبح «حكومة أكثر من الحكومة» قد يربح رضا الحكومة، لكنه في المقابل يخاطر بخسارة الشيء الأهم: ثقة المواطن الذي منحه صوته وأرسله إلى القبة ليمثله، لا ليمثّل عليه.
فالنيابة أمانة، والرقابة مسؤولية، وصوت المواطن يجب أن يبقى أعلى من أي اعتبار آخر..



