هناك لحظة لا ينتبه إليها كثيرون في الحياة العامة؛ اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن النظر إلى المنصب باعتباره مسؤولية مؤقتة، ويبدأ في النظر إليه باعتباره جزءاً من ذاته.
من هنا تبدأ المشكلة….
فالمنصب، في جوهره، ليس ملكاً لصاحبه، ولا امتداداً دائماً لاسمه، ولا شهادة على قيمته الشخصية. إنه مساحة زمنية من المسؤولية، تُمنح للإنسان ليؤدي فيها دوره ويترك أثراً ، ثم تنتهي المهمة، وتعود الأمانة إلى الدولة ومؤسساتها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط الإنسان بالكرسي.
عندها لا يعود الخروج من المنصب انتهاءً طبيعياً لمهمة، بل يتحول إلى خسارة شخصية. ويصبح تغيير الموقع سبباً للغضب، والمغادرة مناسبة للبحث عن المظالم، وكأن الدولة حين غيّرت موقعاً وظيفياً قد انتزعت من الإنسان جزءاً من حقه أو مكانته.
وهنا تحديداً تظهر قيمة الإنسان الحقيقية.
فالذي يعرف أن قيمته أكبر من منصبه، يستطيع أن يغادر بهدوء ويواصل طريقه. يحمل معه خبرته، وأفكاره، وعلاقاته المهنية، وما تعلمه خلال سنوات العمل، وما يستطيع أن يقدمه بعد ذلك.
أما الذي جعل المنصب مصدر قيمته الوحيد، فقد يجد أن مغادرة الكرسي لم تأخذ منه مكتباً فقط، بل أخذت منه الصورة التي كان يرى نفسه من خلالها.
المشكلة ليست في أن يحب الإنسان منصبه ،المشكلة أن ينسى نفسه خارجه.
فالمنصب قد يمنح صاحبه نفوذاً ، لكنه لا يستطيع أن يمنحه قيمة حقيقية إن لم تكن موجودة فيه أصلاً . وقد يفتح أمامه أبواباً كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يصنع احتراماً يبقى بعد أن تُغلق تلك الأبواب.
ولهذا، فإن نهاية المنصب ليست بالضرورة نهاية المسيرة؛ بل قد تكون اللحظة التي تبدأ فيها المسيرة الأكثر صدقاً .
هناك أشخاص تتسع أدوارهم بعد مغادرة مواقعهم، لأنهم لم يكونوا أبناء الكرسي، بل أبناء الفكرة. يخرجون من الموقع ويواصلون العمل ،يكتبون، ويعلّمون، ويبادرون، ويبنون، ويقدمون خبراتهم دون أن يحتاجوا إلى لقب يسبق أسماءهم.
وهناك آخرون يتوقف حضورهم بمجرد أن يتوقف اللقب.
والفارق بين الاثنين ليس في المنصب الذي شغلوه، وإنما في ما صنعوه بأنفسهم قبل المنصب وأثناءه وبعده.
في العمل العام، لا ينبغي أن يكون النجاح هو عدد السنوات التي بقي فيها الإنسان في موقعه، ولا عدد المناصب التي مر بها، ولا حجم الامتيازات التي رافقت موقعه.
النجاح الحقيقي أن تخرج من المنصب دون أن تشعر بأن عليك أن تثبت للناس أنك ما زلت مهماً.
أن تستطيع أن ترى شخصاً آخر يجلس في المكان الذي كنت تجلس فيه، دون أن تشعر أن مكانته تنتقص من مكانتك.
أن تدرك أن خدمة الوطن ليست مرتبطة بمكتب، وأن العطاء لا يحتاج إلى سيارة رسمية، وأن التأثير لا يشترط صفة مكتوبة على بطاقة تعريف.
بعض الناس يغادرون المنصب، وبعض الناس يغادرهم المنصب.
الأول يغادر موقعا ويكمل طريقه.
أما الثاني، فيغادره الموقع فيبدأ رحلة طويلة بحثاً عن نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة العامة هو أن تتحول المناصب من وسيلة لخدمة الناس إلى وسيلة لإثبات الذات.
عندها يصبح التغيير مؤلماً، والتداول مرفوضاً، ونجاح الآخر تهديداً، والمغادرة خسارة شخصية.
بينما الأصل أن المنصب لا يُورث، ولا يُحتكر، ولا ينبغي أن يتحول إلى علاقة أبدية بين الإنسان والكرسي.
إنه مسؤولية لها بداية ونهاية.
أما الإنسان، فيجب أن تكون قصته أطول من ذلك بكثير.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم منصباً شغلت؟
بل: ماذا فعلت عندما امتلكت القدرة؟ ماذا تركت وراءك؟ وماذا بقي منك عندما لم يعد اللقب يسبق اسمك؟
فالتاريخ لا يحتفظ طويلاً بأسماء الكراسي، لكنه يحتفظ بأثر أصحابها.
وفي النهاية ،قد يتغير الموقع، ويتبدل اللقب، وتُغلق أبواب كانت مفتوحة، لكن هناك شيئاً واحداً لا تستطيع أي حركة إدارية أن تنتزعه من الإنسان: قيمته التي صنعها بنفسه.
فالمنصب قد يمنحك مكاناً في الصف الأول، لكنه لا يضمن لك مكاناً في ذاكرة الناس.
ذلك المكان لا يمنحه إلا الأثر.
وكل منصب سينتهي يوماً .
لكن الإنسان الذي صنع قيمته خارج المنصب، سيبقى قادراً على البدء من جديد.
فلا تخف من أن يغادر المنصب حياتك؛ خف فقط أن يغادر، ولا يبقى بعده شيء منك.



