خبرني - كتبت شيرين قسوس
هذه فاتورة احدى صديقاتي
أُنشئت المؤسسة المدنية لتكون جهة تخفف عن المواطن وتوفر له احتياجاته بأسعار مناسبة، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء على الأسر. ومن الطبيعي أن يكون معيار نجاحها هو مقدار ما توفره فعليًا للمواطن، ومدى انعكاس ذلك على ميزانية الأسرة.
هذه الفاتورة تقدم صورة واضحة عن حجم هذا التوفير. فقد اشترى المواطن 34 مادة، وبلغ إجمالي قيمة المشتريات قبل الخصم 44.250 دينارًا، وبعد الخصم أصبح المبلغ 44.090 دينارًا. أي أن إجمالي ما تم توفيره للمواطن لم يتجاوز 160 فلسًا، أي 16 قرشًا فقط، من فاتورة تجاوزت قيمتها 44 دينارًا. وبحسبة بسيطة، فإن هذا التوفير لا يتجاوز نحو 0.36% من قيمة المشتريات. وبعد شراء 34 سلعة ودفع أكثر من 44 دينارًا، لا يتبقى للمواطن من أثر التخفيض سوى 16 قرشًا.
الأكثر لفتًا للانتباه أن الفاتورة تُظهر قيمة ضريبة بلغت 6.053 دنانير، أي أن قيمة الضريبة الظاهرة في الفاتورة تزيد على قيمة التوفير بنحو 38 مرة. هنا تظهر المفارقة بوضوح: المؤسسة التي يُفترض أن تكون في صف المواطن وتساعده على مواجهة الغلاء، تقدم له في فاتورة تتجاوز 44 دينارًا توفيرًا لا يتجاوز 16 قرشًا، بينما يظهر في الفاتورة مبلغ ضريبة يتجاوز ستة دنانير.
والأمر لا يتوقف عند ذلك، فالمواطن اليوم أمام خيارات واسعة في السوق. هناك مولات ومتاجر كبرى تقدم عروضًا وخصومات موسمية وأسبوعية حقيقية، وقد يجد المواطن فيها أسعارًا أقل من أسعار المؤسسة المدنية على العديد من السلع، خصوصًا عندما يستفيد من العروض والخصومات المعلنة.
وفي كثير من الأحيان، يستطيع المواطن الذي يتابع العروض ويقارن الأسعار أن يحقق توفيرًا أكبر بكثير من 16 قرشًا على فاتورة مشترياته، حتى في متاجر تجارية لا تحمل أصلًا هدف تقديم خدمة اجتماعية للمواطن. وهنا يصبح الفارق أكثر وضوحًا؛ فالمتجر التجاري عندما يقدم عرضًا على سلعة أساسية أو مجموعة من السلع، يشعر المواطن مباشرة بالفرق في السعر، بينما توفير 16 قرشًا على فاتورة بقيمة أكثر من 44 دينارًا لا يترك أثرًا ملموسًا على ميزانية الأسرة.
المواطن لا يحتاج إلى حسابات معقدة حتى يدرك حجم الفارق. 34 سلعة، أكثر من 44 دينارًا قيمة مشتريات، 16 قرشًا فقط توفيرًا، وأكثر من 6 دنانير ضريبة. هذه الأرقام وحدها توضح أن حجم التوفير المقدم لا يتناسب مع الغاية التي يفترض أن تقوم عليها المؤسسة.
التوفير الحقيقي يجب أن يكون محسوسًا في جيب المواطن، وأن يظهر بوضوح في فاتورته، وأن يكون له أثر فعلي على ميزانية الأسرة. وعندما يجد المواطن أن بعض المولات والمتاجر تستطيع تقديم خصومات أكبر، خاصة عند الشراء ضمن العروض، يصبح من الصعب اعتبار هذا المستوى المحدود من التخفيض ميزة تنافسية حقيقية للمؤسسة المدنية.
المؤسسة المدنية يفترض أن تكون نموذجًا في تقديم الخدمة العامة، وأن يشعر المواطن من خلالها بأن وجودها ينعكس مباشرة على قدرته الشرائية. وعندما تكون قيمة المشتريات عشرات الدنانير، ثم يكون التخفيض الفعلي مجرد قروش معدودة، فإن الفجوة بين الهدف والنتيجة تصبح كبيرة جدًا.
المواطن الذي يدفع من دخله ويواجه ارتفاع الأسعار يستحق توفيرًا حقيقيًا يتناسب مع حجم ما ينفقه، ويستحق أسعارًا تجعل المؤسسة المدنية خيارًا اقتصاديًا واضحًا مقارنة بالسوق، لا أن يضطر إلى انتظار عروض المولات والمتاجر الأخرى حتى يحصل على خصومات أكبر.
القضية في النهاية ليست في 16 قرشًا بحد ذاتها، وإنما في دلالة هذا الرقم: مؤسسة يفترض أن تكون في مقدمة الجهات التي توفر للمواطن، بينما يستطيع المواطن أحيانًا أن يجد في السوق عروضًا وخصومات تمنحه توفيرًا أكبر على جيبه.
هذه الأرقام تستحق أن تُقرأ كما هي، لأن معيار خدمة المواطن الحقيقي هو حجم التوفير الذي يشعر به في جيبه، والفرق الذي يراه في فاتورته، والقيمة التي يحصل عليها مقابل كل دينار يدفعه.



