*
الثلاثاء: 11 أغسطس 2026
  • 11 أغسطس 2026
  • 12:34
قبل أن يصبح الرجل جانياً اسألوا إن كان ضحية
الكاتب: د. أحلام ناصر

نعم، هذه المرة دعونا ننظر إلى العنف من زاوية الرجل، ليس ضد المرأة، ولا إنكاراً لما تتعرض له من عنف، بل حمايةً لها ولأطفالها وأسرتها، لأن تجاهل الرجل المعنَّف لا يُقلل العنف الأسري، بل قد يتركه يتراكم في الظل حتى يصبح أشد وأوسع أثراً.

لا نلتفت إلى معاناة الرجل وهو يتعرض للإهانة والتهديد والابتزاز داخل بيته ومن المجتمع، بل ننتظر حتى ينهار أو يهجر أسرته أو ينفجر عنفاً، عندها نحاسبه على رد فعله، من دون أن نسأل عمّا واجهه بصمت طوال السنوات السابقة.

لسنوات طويلة ركز الخطاب المجتمعي على الرجل بوصفه الطرف الأقوى والجاني المحتمل، وكان لذلك ما يبرره في ظل خطورة العنف الواقع على النساء، لكن المشكلة بدأت عندما تحول هذا التركيز إلى حكم مسبق بأن الرجل لا يمكن أن يكون ضحية، وأن الرجولة تعني أن يتحمل الإهانة والألم بصمت، وألا يطلب المساعدة مهما بلغ ما يتعرض له.

والعنف ضد الرجل لا يقصد به دائماً الجسدي، فقد يبدأ بالسخرية اليومية، والمقارنات غير العادلة،  والتقليل من قيمته وهيبته أمام أطفاله، والطعن في رجولته، والسيطرة على ماله، وإتلاف ممتلكاته، وعزله عن أسرته، وإهماله عاطفياً، وتهديده بحرمانه من أطفاله أو استخدامهم للضغط عليه، وقد يصل أحيانا الى العنف الجسدي.

وتدعم ذلك دراستان أردنيتان، الأولى دراسة نوعية ناقشت تجارب 33 رجلاً متزوجاً في عمّان، وكشفت تعرض بعضهم إهمال بعض الزوجات للمنزل والأطفال والمظهر والنظافة الشخصية، وهدر المال، وتدخل أسرة الزوجة في خصوصيات الحياة الزوجية، كما أظهرت أن الاعراف قد تدفع الرجل إلى اما الصمت أو الاستمرار في العلاقة المؤذية أو الرد بعنف.

وفي دراسة أخرى شملت 1,003 رجلًا متزوجًا، وأظهرت أن العزل كان أكثر أشكال الإساءة العاطفية شيوعاً، تلاه التحقير وإتلاف الممتلكات والإكراه، وسجل الأصغر سناً ومن هم في سنوات الزواج الأولى مستويات أعلى من الإساءة، رغم أن الدراستين لا تقدمان رقماً وطنياً شاملاً، فإنهما تؤكدان أن الرجل المعنَّف ليس حالة نادرة يمكن تجاهلها.

المشكلة ليست في تعرض الرجل للعنف وحده، بل في تركه مكبوتاً بلا قناة آمنة للشكوى أو العلاج أو الإرشاد، فالإنسان الذي يتعرض للإهانة والسيطرة فترة طويلة ولا يجد من يصدقه او يسمعه في سرية تامة، قد يدخل في دائرة من الغضب والعجز والاكتئاب والعزلة، وقد ينسحب من مسؤولياته الأسرية، أو ينقل توتره إلى أطفاله، أو يتعامل بعنف على زوجته، أو قد يبحث عن الانتقام بدلاً من الحل.

هذا لا يعني أن كل رجل معنَّف سيصبح عنيفاً، ولا أن تعرضه للإساءة يبرر اعتداءه على المرأة أو الطفل، فكل شخص مسؤول عن سلوكه، لكن هناك فرقاً بين تبرير العنف وفهم الطريق المؤدي إليه، وإذا كنا نريد الحد من العنف الأسري، فعلينا ألا ننتظر حتى تقع الجريمة، بل أن نتدخل عندما تظهر مسبباته ومؤشراته أياً كان جنس الضحية.

والمرأة نفسها قد تدفع ثمن تجاهل معاناة الرجل، لأن الغضب المكبوت لا يبقى محصوراً داخل صاحبه دائماً، بل قد يعود إلى العلاقة في صورة عنف مضاد أو هجر أو انتقام أو صراع قضائي طويل، وعندما تتحول العلاقة إلى ساحة للإذلال المتبادل، يصبح الطفل الضحية الأكثر صمتاً، حتى لو لم يتعرض للضرب مباشرة.

فالطفل الذي يرى أباه يُهان باستمرار، أو يشاهد أباه يرد على الإهانة بالعنف، يتعلم أن العلاقات تقوم على السيطرة والانتقام، لا على الاحترام والحوار، وقد يحمل هذا النموذج معه إلى المدرسة والشارع وعلاقاته المستقبلية، فيمارس التنمر أو يقبل الإهانة أو يعيد إنتاج العنف في زواجه، وهكذا ينتقل العنف من الزوجين إلى الأبناء، ومن البيت إلى المجتمع، ومن جيل إلى آخر.

المطلوب ليس سحب الحماية من المرأة، بل توسيعها لتشمل كل ضحية، وإنشاء قنوات سرية وآمنة يستطيع الرجل من خلالها طلب الدعم النفسي والأسري والقانوني دون خوف من السخرية، وتدريب مقدمي الخدمات على تقييم الخطر وفق الوقائع، لا وفق جنس الضحية، وإجراء مسح وطني يكشف حجم العنف ضد النساء والرجال والأطفال وأشكاله وآثاره.

لا تنتظروا الرجل عند باب المحكمة وهو متهم، اسمعوه عندما يقف وحيداً خلف باب بيته وهو ضحية، لأن كبت الرجل المعنَّف لا يصنع رجلاً أقوى، بل قد يصنع إنساناً محطماً، وزوجةً أكثر عرضة للخطر، وطفلاً يحمل العنف إلى مستقبله، وعندما لا نرى الرجل إلا بعد أن ينفجر، فنحن نكون قد نجحنا في معاقبة العنف، لكننا فشلنا في منعه.

مواضيع قد تعجبك