في السابع من آب/أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك مع تلميح لانضمام مصر لاحقا في لحظة تداخلت فيها جبهات الخليج والبحر الأحمر وغزة ولبنان وسوريا والعراق مع منافسات القرن الأفريقي وجنوب آسيا والحرب في أوكرانيا. يَعُدّ الاتفاق أي هجوم مسلح على دولة موقعة هجوماً على الدول الثلاث، لكنه يترك أسئلة التنفيذ وحدود الجغرافيا وطبيعة الخصم مفتوحة.
لا ينطلق هذا التحقيق من نتيجة مقررة سلفاً، بل من سؤالين مترابطين: هل يبني اتفاق مكة مظلة ردع إقليمية تقلل اعتماد أعضائه على الخارج، أم يؤسس لتوزيع أدوار أوسع تتولى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على «الرأس» الإيراني بينما تهتم القوى الإقليمية بـ«الأذرع» والساحات المحيطة؟ ثم هل يقود هذا الترتيب إلى إغلاق الجبهات أم إلى حرب تتسع تحت عناوين الدفاع وحماية الملاحة ودعم الحكومات؟
ما الذي أُعلن وما الذي بقي غامضاً؟
الاتفاقية التي وقعت في مكة المكرمة نصت، وفق البيان المشترك، على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد اعتداءً على جميعها، بما يستوجب التشاور والتنسيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الخطر. وهي صيغة تقترب، من حيث المبدأ، من قاعدة الدفاع الجماعي التي تقوم عليها المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).
لكن البيان الرسمي لم يكشف تفاصيل حاسمة تتعلق بآلية تنفيذ هذا الالتزام، أو طبيعة القوات التي يمكن نشرها، أو المناطق الجغرافية التي يشملها الاتفاق، أو ما إذا كان التحالف سيقيم قيادة عسكرية مشتركة وقوات دائمة وقواعد ومراكز عمليات موحدة.
وبحسب ما أُعلن، سيجري إنشاء لجنة وزارية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى جانب أمانة عامة مقرها السعودية. وهذا يعني أن الدول الثلاث لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه إعلاناً سياسياً مؤقتاً، بل إطاراً مؤسسياً قابلاً للتوسع وبناء هياكل عسكرية وأمنية دائمة حوله.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق يشبه (من الناحية التقنية) المادة الخامسة في حلف الناتو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه غير موجه ضد إيران أو أي دولة بعينها. كما أشار إلى إمكانية انضمام مصر مستقبلاً، وإلى اهتمام الدول المشاركة بإنشاء ترتيبات لحماية البحر الأحمر والممرات البحرية.
هذا النفي التركي لا يعني بالضرورة غياب العامل الإيراني عن خلفية الاتفاق، لكنه يكشف رغبة الدول الثلاث في عدم تقديم التحالف باعتباره محوراً مذهبياً أو جبهة معلنة لمهاجمة إيران. فالفرق كبير بين تحالف يهدف إلى ردع الهجمات وحماية الدول والممرات البحرية، وبين تحالف هجومي يعلن أن مهمته إسقاط دولة أو تغيير نظامها.

قدرات مختلفة يجمعها هدف واحد
تكمن أهمية الاتفاق في طبيعة الدول الموقعة عليه. فالسعودية تمتلك ثقلاً مالياً واقتصادياً كبيراً وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر، إضافة إلى استثمارات واسعة في الطيران والدفاع الجوي والصناعات العسكرية. أما تركيا، فتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عملياتية ممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والصومال والبحر المتوسط، إلى جانب صناعة دفاعية متطورة في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن والمدرعات.
أما باكستان، فتمتلك جيشاً كبيراً وقدرات صاروخية وردعاً نووياً، ولها تاريخ طويل في التدريب والتعاون العسكري مع السعودية. كما أفادت تقارير دولية خلال العام الجاري بنشر آلاف العسكريين الباكستانيين وطائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي في السعودية، ضمن ترتيبات قُدمت بداية بوصفها مهام تدريبية واستشارية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة عملياتية فعلية.
اجتماع هذه القدرات يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي. فالسعودية تستطيع توفير التمويل والموقع والبنية السياسية، بينما توفر تركيا الخبرة العملياتية والصناعة العسكرية، وتضيف باكستان القوة البشرية والخبرة الدفاعية والبعد الاستراتيجي المرتبط بامتلاكها السلاح النووي.
لكن الاتفاقية المنشورة لم تقل إن الردع النووي الباكستاني أصبح مظلة تلقائية للسعودية وتركيا، كما لم تعلن الدول الثلاث إنشاء جيش موحد أو نقل قوات دائمة من دولة إلى أخرى. ولذلك فإن الحديث عن «ناتو إسلامي» مكتمل الأركان ما يزال سابقاً لأوانه.
لماذا الآن؟
جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بعد توسع المواجهة مع إيران، وتعرض منشآت وقواعد وممرات بحرية في الخليج لهجمات، وعودة التوتر إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر، وازدياد المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران.
وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة: سقوط النظام السابق في سوريا أضعف الممر الإيراني إلى لبنان، والحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة لنزع سلاح الفصائل، وحزب الله يتعرض لضغط عسكري وسياسي غير مسبوق، بينما يجري البحث عن قوة عربية ودولية تتولى ترتيبات الأمن في غزة بعد نزع سلاح حماس.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم اتفاق مكة بوصفه محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية لا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة. فالدول الثلاث ترتبط بعلاقات مختلفة مع واشنطن وبكين وموسكو وحلف الناتو، لكنها تشترك في القلق من أن يؤدي ضعف النظام الإقليمي أو تراجع الضمانات الأميركية إلى تركها منفردة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة واضطراب طرق الطاقة والتجارة.
كما أن التحالف لا يبدو موجهاً لموازنة إيران وحدها. فتركيا والسعودية وباكستان لا تريد أن تتحول إسرائيل، بعد إضعاف إيران، إلى القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد الإقليم من دون موازنة. ولهذا يمكن أن يعمل الاتفاق في اتجاهين متوازيين: التعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض الملفات التي تتعلق بإيران والجماعات المسلحة، وبناء قوة مستقلة تحدّ من احتكار إسرائيل للتفوق الإقليمي في ملفات أخرى.

اتفاق دفاعي أم منصة للتدخل الإقليمي؟
العبارة الأساسية في الاتفاق تتعلق بالاعتداء الذي تتعرض له إحدى الدول الثلاث، لكنها لا تجيب عن السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا لو جاء التهديد من جماعة مسلحة خارج حدود دولة عضو؟ وماذا لو طلبت حكومة عربية، مثل الحكومة السورية أو العراقية، مساعدة التحالف في مواجهة تنظيمات مسلحة داخل أراضيها؟ وهل تشمل حماية السعودية مثلاً ملاحقة مصدر الهجمات الحوثية داخل اليمن، أم تقتصر على اعتراض الصواريخ وحماية الحدود والملاحة؟
غياب هذه التفاصيل قد يكون مقصوداً. فالغموض يمنح الدول الثلاث حرية الحركة من دون الالتزام مسبقاً بحرب محددة، كما يتيح للتحالف التدخل تحت عناوين مختلفة، مثل حماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب، وتدريب القوات الحكومية، والدفاع الجوي، وحماية منشآت الطاقة، ومراقبة الحدود ووقف تهريب السلاح.
ومن هنا، لا يُقاس الاتفاق فقط بما كُتب في نصه المعلن، بل أيضاً بالتحركات العسكرية والسياسية التي سبقته ورافقته: الانتشار الباكستاني في السعودية، والوجود العسكري التركي في الصومال، والمشروعات التركية لبناء السفن العسكرية في جدة والدمام، والدعوة السعودية لإنشاء تحالف بحري لحماية البحر الأحمر، واحتمال انضمام مصر إلى الإطار الجديد.
لا تثبت هذه التحركات حتى الآن وجود خطة عمليات موحدة تشمل المنطقة بأكملها، لكنها تكشف أن اتفاق مكة لم يولد من فراغ، وأن الدول الثلاث كانت تبني خلال الفترة الماضية شبكة من التعاون الدفاعي والعسكري يمكن أن تتحول، عند الضرورة، إلى قوة إقليمية قادرة على العمل خارج حدودها.
يبقى السؤال: أين يمكن أن تظهر أولى مهام هذا التحالف؟ وهل ستكون البداية من البحر الأحمر في مواجهة الحوثيين، أم من سوريا لضبط الجماعات المسلحة وقطع طرق تهريب السلاح، أم من العراق لدعم الدولة في نزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران؟
مصر... الغائب الحاضر في اتفاق مكة
غياب الرئيس المصري عن مراسم توقيع الاتفاقية لا يعني أن مصر رفضت التحالف أو استُبعدت منه. فقد شاركت القاهرة في مجموعة التشاور الرباعية المعروفة باسم «R4»، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، واستضافت في 21 حزيران/يونيو الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع لمناقشة التطورات الإقليمية والحرب مع إيران وأمن الممرات البحرية.
كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعد توقيع اتفاق مكة، إن مصر قد تنضم لاحقاً بعد معالجة «بعض المسائل التقنية». ولم توضح القاهرة أو أنقرة طبيعة هذه المسائل، ولذلك لا يوجد حتى الآن تفسير مصري رسمي لعدم التوقيع.
لكن سلوك مصر الإقليمي يسمح بتحديد مجموعة من الاعتبارات التي ربما أخرت انضمامها.
أولها أن القاهرة تتحفظ عادة على الالتزامات التي تجعل تدخلها العسكري تلقائياً في نزاعات لا تمس حدودها مباشرة. فالانضمام إلى اتفاق يعتبر الاعتداء على باكستان أو تركيا اعتداءً على مصر قد يضع القاهرة نظرياً أمام أزمات مع الهند في كشمير، أو مع أطراف تواجه تركيا في سوريا أو شرق المتوسط، أو أمام مواجهة مباشرة مع إيران إذا تعرضت السعودية لهجوم جديد.
وثانيها أن مصر تريد الحفاظ على قيادتها المستقلة لملف البحر الأحمر. فقد أكدت القاهرة وإريتريا أن أمن البحر الأحمر ينبغي أن تتولاه الدول المطلة عليه، وهو موقف قد يتعارض جزئياً مع رغبة تركيا وباكستان، وهما دولتان غير مطلتين مباشرة على البحر الأحمر، في أداء دور عسكري دائم داخله.
وثالثها أن المصالحة المصرية–التركية، رغم تقدمها الكبير وعودة السفراء، ما تزال حديثة قياساً بسنوات الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين وليبيا وشرق المتوسط. الانتقال من المصالحة السياسية إلى تعهد دفاعي يشبه المادة الخامسة في حلف الناتو يحتاج إلى بناء ثقة عسكرية وقانونية أكبر.
كما أن مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل وشراكة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة، ولها حساباتها الخاصة في غزة والسودان وإثيوبيا. وقد تفضل البقاء داخل إطار تشاوري رباعي يمنحها التأثير من دون أن يفرض عليها التزاماً تلقائياً بكل قرارات التحالف.
لذلك يمكن وصف مصر بأنها الدولة الرابعة غير الموقعة: موجودة في المشاورات والملفات والعمليات الموازية، لكنها لم توافق بعد على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الدفاع المتبادل الملزم.
من الاتفاق إلى ثلاثين ملفاً
لتمييز الوقائع من السيناريوهات، يرتب التحقيق ثلاثين ملفاً بحسب قربها من مركز القرار وخطرها على بنية الإقليم: يبدأ بمواقف الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ثم ينتقل إلى ساحات الردع والاشتباك المباشر، ففلسطين والتطبيع والتوازنات الإقليمية، وينتهي بالقوى الدولية ومسارات امتداد الحرب. وفي كل ملف يفصل بين ما أُعلن رسمياً، وما تدل عليه التحركات، وما يبقى فرضية تحتاج إلى دليل.
ملفات خاصة وإقليمية ودولية أمام التحالف
لا تتساوى الملفات التالية في احتمال التدخل أو شكله. بعضها يدخل مباشرة في الدفاع عن أراضي الدول الثلاث وممراتها، وبعضها لا يمكن الاقتراب منه إلا بطلب حكومة معترف بها، بينما تقع ملفات أخرى في نطاق الوساطة والتمويل والضغط السياسي. لهذا يعكس الترتيب الأهمية الاستراتيجية، لا افتراض وجود خطة عسكرية واحدة تشمل الجميع.
أولاً: القوى التي تحدد سقف الحرب
الملف الأول: الولايات المتحدة... شريك صامت أم مظلة لتقاسم الأعباء؟
حتى مساء 9 أغسطس/آب 2026، لم يظهر في البيانات العلنية رد أميركي رسمي مفصل على اتفاق مكة. وهذا الغياب مهم تحريرياً: فهو لا يسمح بوصف واشنطن مؤيدة للاتفاق أو رافضة له، لكنه يمنع أيضاً التعامل معه بوصفه خطوة معادية للولايات المتحدة لمجرد أنه يقلل الاعتماد الحصري عليها.
الدول الثلاث ترتبط بدرجات مختلفة بالشراكة الأمنية مع واشنطن: تركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية شريك دفاعي رئيسي، وباكستان تحتفظ بقنوات عسكرية وسياسية ممتدة معها. لذلك تميل القراءة الأقرب إلى أن الاتفاق يضيف طبقة إقليمية إلى النظام الأمني الأميركي ولا يستبدله فوراً. وقد وصفت تحليلات منشورة دافع الاتفاق بأنه البحث عن بدائل مكملة في ظل الشكوك في استدامة الضمانات الأميركية، لا القطيعة معها.
هنا تبرز فرضية «اتركوا لنا الرأس واهتموا بالأذرع»: تتولى الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط المباشر على القدرات الإيرانية، بينما تحمي الدول الثلاث أراضيها وممراتها وتساعد الحكومات على احتواء الحوثيين والفصائل العراقية وطرق الإمداد إلى سوريا ولبنان. النتيجة العملياتية قد تشبه تقسيم العمل، لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني على خطة أميركية مركزية وزعت هذه الأدوار مسبقاً.
يستفيد النهج الأميركي من تقاسم الأعباء وخفض الحاجة إلى انتشار دائم، لكنه يخلق في المقابل شركاء أقدر على رفض الطلبات الأميركية أو موازنة إسرائيل. لذلك سيقاس موقف واشنطن عملياً بما إذا كانت ستدعم تبادل الإنذار المبكر والتسليح والتدريب، وبكيفية تعاملها مع أي تحرك للتحالف في سوريا أو البحر الأحمر لا يطابق الأولويات الإسرائيلية.
خلاصة الموقف الأميركي: الصمت الرسمي لا يثبت وجود غرفة عمليات مشتركة، لكنه ينسجم مع قبول حذر بتحالف دفاعي يخفف العبء عن واشنطن ما دام لا يتحول إلى محور مستقل يصطدم بقواتها أو بحلفائها.
الملف الثاني: إسرائيل... مستفيد قَلِق لا رفض رسمي مثبت
لم يُعثر، حتى مساء 9 أغسطس/آب، على بيان رسمي إسرائيلي موثق يعلن رفض اتفاق مكة. وما ظهر علناً كان تغطية إعلامية وقراءات أمنية قلقة أكثر منه موقفاً حكومياً ملزماً. لذلك ينبغي التمييز بين «قلق إسرائيلي» يمكن رصده وبين ادعاء «رفض رسمي» لا تسنده حتى الآن وثيقة معلنة.
تستفيد إسرائيل من أي قدرة تضبط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وتحد من حركة الحوثيين والفصائل العراقية وإمداد حزب الله. لكن الصحافة الإسرائيلية قدمت الاتفاق أيضاً بوصفه تجمعاً لثلاث قوى عسكرية كبيرة، إحداها نووية، في لحظة تنافس حاد بين أنقرة وتل أبيب.
مصدر القلق هو أن إضعاف إيران لا يعني قبول السعودية وتركيا وباكستان باحتكار إسرائيل للقوة الإقليمية. فتركيا تعارض توسع إسرائيل في سوريا، وباكستان لا تعترف بها، والسعودية تربط التطبيع بمسار فلسطيني. كما أن حضوراً تركياً–سعودياً أوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قد يحد من حرية إسرائيل في بناء شبكات قواعد وشراكات من شرق المتوسط إلى أرض الصومال.
سيحاول الجانب الإسرائيلي، على الأرجح، الفصل بين وظيفتين للاتفاق: تشجيع ما يساعد في احتواء إيران وحلفائها، ومقاومة ما يحوله إلى ثقل موازن لإسرائيل أو مظلة سياسية للحكومة السورية والفلسطينيين. ومن هنا قد يكون أثر الاتفاق مزدوجاً: تعاون غير مباشر في ملف إيران، وتنافس مباشر أو غير مباشر في سوريا والبحر الأحمر وغزة.
خلاصة الموقف الإسرائيلي: الاتفاق مفيد حين يعمل ضد التهديد الإيراني، ومقلق حين يمنح ثلاث دول كبيرة استقلالاً دفاعياً وقدرة على تقييد التفوق الإسرائيلي. وهذا التناقض، لا الرفض المطلق، هو مفتاح قراءة علاقته بالتحالف.
الملف الثالث: إيران... ترحيب رسمي وحسابات قلقة
جاء أول رد إيراني بارز بصيغة ترحيب لا مواجهة. فقد رحب وزير الخارجية عباس عراقجي بالاتفاق ودعا إلى تضامن أكبر بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي الداخل الإيراني ظهرت قراءات متباينة: بعضها أراد توجيه الاتفاق ضد إسرائيل، وبعضها حذر من تحوله إلى مظلة لحماية السعودية من إيران وحلفائها .
ساعدت أنقرة طهران سياسياً بتأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، وأن طبيعة المساعدة ستحدد بعد التشاور في كل حالة. لكن هذا الضمان السياسي لا يلغي أن هجوماً إيرانياً مباشراً على السعودية، أو هجوماً كبيراً تنسبه الرياض إلى قوة حليفة لطهران، يمكن أن يختبر بند الدفاع الجماعي.
ستحاول إيران منع تماسك جبهة معادية عبر الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وباكستان، وتقديم الاتفاق كفرصة لاستقلال إسلامي عن واشنطن وإسرائيل، وفتح قنوات مع السعودية. وفي الوقت نفسه ستراقب ما إذا كان التحالف سيتوقف عند الدفاع الجوي والبحري أم ينتقل إلى دعم نزع سلاح القوى المرتبطة بها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.
إذا بقي الاتفاق دفاعياً، تستطيع طهران التعايش معه وربما استخدامه دليلاً على تراجع الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة. أما إذا تحول إلى شبكة عمليات لإغلاق طرق السلاح وتفكيك الحلفاء المسلحين، فسيصبح تهديداً مباشراً لنموذج النفوذ الإيراني حتى من دون مهاجمة إيران نفسها.
خلاصة الموقف الإيراني: الترحيب محاولة لاحتواء الاتفاق وإعادة تعريفه، لا دليلاً على غياب القلق. والاختبار الحاسم سيكون تعريف «الاعتداء»: هل يقتصر على هجوم دولة، أم يمتد إلى عمليات جماعات مرتبطة بها؟
ثانياً: الردع والجبهات المباشرة
الملف الرابع: حرب إيران... بين ردع المركز واحتواء الأذرع
أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرفين المباشرين في الحرب على إيران، بينما استُخدمت قواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن ضمن البنية العسكرية الأميركية في المنطقة. وردت إيران باستهداف مواقع وقواعد أميركية في هذه الدول، إضافة إلى مهاجمة السعودية والإمارات وقطر ومصالح بحرية في الخليج.
لكن وجود القواعد الأميركية لا يكفي وحده لإثبات أن البحرين والكويت والأردن شاركت جميعها في العمليات الهجومية على إيران.
البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، اتخذت موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وأبدت استعداداً لتحمل استمرار المواجهة. أما الكويت فاستضافت قوات أميركية واعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية، لكنها دفعت دبلوماسياً باتجاه وقف الحرب، ونفت رسمياً أن تكون طائراتها شاركت في ضرب إيران. والأردن استضاف قوات أميركية ودافع عن مجاله الجوي واعترض مقذوفات، لكنه لم يعلن الانضمام إلى حرب هجومية.
ووفق مصادر خليجية تحدثت إلى رويترز، انقسمت دول الخليج إلى اتجاهين: السعودية والإمارات والبحرين طالبت بألا تنتهي الحرب مع بقاء قدرة إيران على تهديد الخليج وإغلاق هرمز، بينما ضغطت قطر وعُمان والكويت من أجل وقف سريع للقتال خوفاً من تداعياته الاقتصادية. تفاصيل الانقسام الخليجي.
أما أطراف اتفاق مكة، فلا تبدو راغبة في مهاجمة إيران مباشرة. السعودية تريد تحييد الصواريخ الإيرانية والأذرع المرتبطة بطهران، لكنها تشارك أيضاً في محاولات التهدئة. وتركيا وباكستان استضافتا محادثات ووساطات ورفضتا تقديم الاتفاق باعتباره موجهاً ضد إيران.
قد تكون قسمة العمل الفعلية على النحو الآتي: تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على القدرات النووية والصاروخية والعسكرية داخل إيران، بينما يركز تحالف مكة على الدفاع عن السعودية، وتأمين البحر الأحمر، واحتواء الحوثيين والفصائل العراقية، ومنع انتقال السلاح الإيراني إلى سوريا ولبنان. لكنها قسمة مصالح مستنتجة من الوقائع، وليست خطة مشتركة معلنة.
الملف الخامس: الدفاع الجوي والردع النووي... المظلة غير المرئية
قد لا تكون الوظيفة الأهم لاتفاق مكة التدخل في دولة محددة، بل بناء منظومة دفاعية مشتركة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية والسيبرانية.
أظهرت المواجهات الأخيرة أن دولاً تنفق مبالغ هائلة على السلاح يمكن أن تبقى معرضة لهجمات منخفضة الكلفة تنفذها طائرات مسيّرة أو صواريخ تطلق من مسافات بعيدة. ولذلك تحتاج الدول الثلاث إلى ما هو أكثر من شراء أنظمة منفصلة؛ تحتاج إلى ربط الرادارات ومراكز القيادة والدفاعات الجوية والبحرية داخل شبكة واحدة.
تستطيع السعودية توفير القواعد والتمويل والاستثمار في الصناعات العسكرية، بينما تمتلك تركيا خبرة عملياتية وصناعة متقدمة في المسيّرات والصواريخ والسفن والرادارات. وتضيف باكستان الطائرات المقاتلة والقوة البشرية والخبرة الصاروخية والقدرة النووية.
وقد نشرت باكستان بالفعل طائرات مقاتلة وقوات ومنظومات دفاع جوي في السعودية خلال 2026. كما يجري تعاون سعودي–تركي في مجالات الطائرات المسيّرة وبناء السفن العسكرية والاستثمار في شركات الدفاع.
ويمكن أن تشمل الخطوات العملية المقبلة:
إنشاء مركز موحد للإنذار المبكر وتبادل المعلومات.
ربط الرادارات ومنظومات اعتراض الصواريخ والمسيّرات.
تشكيل قوة بحرية مشتركة لحماية البحر الأحمر وبحر العرب.
إجراء تدريبات عسكرية دورية على الدفاع عن المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة.
تصنيع مشترك للمسيّرات والصواريخ والسفن والذخائر.
توزيع احتياطيات السلاح والوقود بحيث لا يؤدي استهداف قاعدة واحدة إلى تعطيل القدرة الدفاعية.
توحيد إجراءات القيادة والاتصال في أثناء الأزمات.
لكن أصعب المسائل ستكون تقنية وسياسية. فتركيا عضو في حلف الناتو وتعتمد جزئياً على أنظمة غربية، بينما تستخدم باكستان مزيجاً من التكنولوجيا الصينية والغربية والمحلية، وتعتمد السعودية على منظومات أميركية وأوروبية. وربط هذه الأنظمة قد يصطدم بقيود تتعلق بالأسرار العسكرية والتصدير والبرمجيات والسيطرة على البيانات.
أما السؤال الأكبر فهو: هل يشمل الردع النووي الباكستاني السعودية وتركيا؟
لا تتضمن الاتفاقية المنشورة أي نص يثبت ذلك، ولم تعلن باكستان نقل أسلحة نووية أو منح ضمان نووي تلقائي لشريكيها. لكن الغموض نفسه قد يخدم الردع، لأنه يترك الخصوم أمام احتمال أن يؤدي أي تهديد وجودي لإحدى الدول الثلاث إلى رد أوسع مما هو معلن.
لذلك ينبغي التعامل مع المظلة النووية بوصفها احتمالاً استراتيجياً ورسالة ردع، لا حقيقة قانونية أو عسكرية محسومة.
الملف السادس: البحر الأحمر والحوثيون... الاختبار الأقرب
يبدو البحر الأحمر الساحة الأكثر استعداداً لاستقبال أول نشاط عملي مرتبط بالتحالف. فقد بدأت جولة التصعيد الحالية عندما استهدفت قوات التحالف الذي تقوده السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية قالت إنها تحمل أسلحة وخبراء إلى الحوثيين. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ باتجاه جنوب السعودية، منهين عملياً حالة هدوء استمرت نحو أربع سنوات.
وبعد ذلك، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الطائرة كانت تقل عناصر من الحرس الثوري ومكونات متعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأموالاً مخصصة لدعم الحوثيين، بينما نفت طهران ذلك وقالت إن الرحلة كانت إنسانية وتعيد وفداً حوثياً من إيران.
انتقل الحوثيون بعدها من الرد على الأراضي السعودية إلى إعلان حصار بحري على السفن والموانئ السعودية، وهاجموا ناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن، بينها ناقلة قرب ميناء ينبع. ولم تؤكد الرياض كل الادعاءات الحوثية، لكن التهديد أصبح مباشراً لمسار تصدير النفط السعودي، خصوصاً في ظل تعثر الملاحة عبر مضيق هرمز.
لهذا دعت السعودية إلى تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وشاركت عشرات الدول في الاجتماع، بينما أعلنت 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر، دعمها الرسمي للمبادرة.
في هذا الملف، تتوزع أدوار أطراف اتفاق مكة بصورة واضحة:
السعودية هي الدولة المستهدفة وصاحبة المصلحة المباشرة في حماية موانئها ومنشآت الطاقة وسفنها. وتركيا تمتلك قوة بحرية متقدمة وسفناً عاملة في خليج عدن، إضافة إلى وجود عسكري في الصومال ومشروعات لبناء وصيانة السفن العسكرية في جدة والدمام. أما باكستان فلديها خبرة بحرية في بحر العرب وقدرات على المرافقة والمراقبة، فضلاً عن وجود طائرات وقوات باكستانية داخل السعودية.
الأرجح أن يبدأ دور التحالف في صورة دفاع جوي وبحري، وتبادل للمعلومات، ومرافقة للسفن، ومراقبة الشحنات القادمة إلى اليمن. أما شن حرب برية واسعة ضد الحوثيين فيبقى قراراً أكثر تعقيداً بسبب تجربة الحرب السابقة وكلفتها السياسية والإنسانية.
الملف السابع: العراق والفصائل المسلحة... دعم الدولة أم ساحة مواجهة؟
يمثل العراق الجبهة البرية الشمالية التي تقلق السعودية. وقد تحدثت معلومات استخبارية سعودية وأميركية عن احتمال تنسيق هجمات على المملكة من الحوثيين جنوباً وفصائل عراقية موالية لإيران شمالاً.
وفي نهاية تموز/يوليو نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على مواقع فصائل عراقية مرتبطة بإيران، بعد اتهامها باستهداف قوات أميركية ومنشآت سعودية بحسب بيان القيادة المركزية الأميركية.
كما حددت السلطات العراقية 30 أيلول/سبتمبر موعداً لنزع سلاح الفصائل أو دمجها في المؤسسات الأمنية، وهددت بمعاملة الرافضين وفق قوانين مكافحة الإرهاب.
السعودية معنية مباشرة بهذا الملف، بينما تستطيع تركيا تقديم معلومات وخبرات عملياتية بحكم وجودها العسكري الطويل في شمال العراق وعملياتها ضد حزب العمال الكردستاني. ويمكن لباكستان أن تقدم التدريب والدفاع الجوي والحماية الفنية، لكنها لا تملك نفوذاً سياسياً عراقياً يوازي نفوذ السعودية وتركيا.
والشكل الأكثر واقعية لتدخل التحالف هو دعم الحكومة العراقية استخبارياً وسياسياً وعسكرياً، وليس دخول قوات ثلاثية لاحتلال مواقع الفصائل. فأي تدخل بري من دون موافقة بغداد قد يوحد خصوم الفصائل حول شعار مقاومة الوجود الأجنبي.
الملف الثامن: سوريا... حماية الدولة الجديدة وقطع الطريق الإيراني
سوريا هي الساحة التي تمتلك فيها تركيا الدور الأكبر بين أطراف الاتفاق. فلأنقرة قوات ونفوذ أمني وعلاقات مباشرة مع الحكومة السورية الجديدة، بينما لعبت السعودية دوراً أساسياً في منح هذه الحكومة الشرعية العربية والدولية ودعم رفع العقوبات عنها.
الهدف المباشر هنا لا يبدو «القضاء على القاعدة»، كما يُطرح أحياناً. فالقيادة السورية الحالية أعلنت انفصالها عن تنظيم القاعدة منذ سنوات، ولم يجد مراقبو الأمم المتحدة روابط نشطة بين قيادة الدولة الجديدة والتنظيم. الخطر المعلن حالياً هو تنظيم داعش، والمقاتلون الأجانب غير المنضبطين، وشبكات تهريب السلاح الإيرانية، وأي تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة.
كما أن السيطرة السورية على الحدود مع العراق ولبنان تقطع الطريق الذي كانت إيران تستخدمه لإمداد حزب الله. وقد ضبطت السلطات السورية شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قيل إنها كانت متجهة إلى الحزب.
يمكن أن تقوم تركيا بالتدريب والدعم العسكري والاستخباري، بينما توفر السعودية التمويل والغطاء السياسي وإعادة الإعمار، وتشارك باكستان في التدريب ومكافحة الإرهاب. لكن لا يوجد حتى الآن ما يثبت اتخاذ قرار بنشر قوة تابعة لاتفاق مكة داخل سوريا.
الملف التاسع: الأراضي السورية... من احتلال الجولان إلى التوسع في المنطقة العازلة
يختلف ملف الوجود الإسرائيلي في سوريا عن غزة والضفة، لأنه يجمع بين احتلال قديم بدأ عام 1967 وتوسع عسكري جديد بدأ بعد سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.
تحتل إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية منذ حرب 1967، وفرضت عليها قوانينها في 1981، في خطوة لم يعترف بها مجلس الأمن ومعظم المجتمع الدولي. وبعد اتفاق فصل القوات عام 1974، أُنشئت منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».
لكن بعد سقوط النظام السابق، دخلت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة وسيطرت على الجانب السوري من جبل الشيخ ونقاط أخرى، كما نفذت تحركات خارج منطقة الفصل. وقالت إسرائيل في البداية إن الانتشار مؤقت، ثم أعلن مسؤولون إسرائيليون أن القوات ستبقى على قمة جبل الشيخ إلى أجل غير محدد.
وتعتبر الأمم المتحدة أن دخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة الفصل يخالف اتفاق 1974، وتؤكد أن قوات «أندوف» هي الجهة الوحيدة التي يفترض أن تنتشر داخلها.
تقول إسرائيل إن هدفها منع وجود قوات معادية قرب حدودها وحماية التجمعات الدرزية ومنع انتقال أسلحة إلى حزب الله. لكن الحكومة السورية ترى أن إسرائيل تستغل ضعف الدولة لفرض وقائع جديدة وتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرتها.
وجرت محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية حول اتفاق أمني. وتطالب دمشق بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط النظام، والعودة إلى اتفاق 1974 ووقف الغارات. أما إسرائيل فتطالب بمنطقة واسعة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، وتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منطقة تمتد من دمشق باتجاه جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.
يمس هذا الملف تركيا مباشرة، لأن أنقرة تريد بناء جيش سوري قوي يخضع للحكومة المركزية، بينما تريد إسرائيل إبقاء الجنوب السوري ضعيفاً ومنزوع السلاح. كما أن الغارات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية السورية تقلل قدرة دمشق على مواجهة داعش وضبط الحدود.
السعودية تدعم وحدة سوريا وسيادتها، وقد استثمرت سياسياً واقتصادياً في استقرار الحكومة الجديدة. أما باكستان فسيكون دورها أقرب إلى الدعم السياسي والتدريب وإعادة بناء المؤسسات، وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
ولا يرجح أن يرسل تحالف مكة قوات إلى جنوب سوريا لمواجهة الجيش الإسرائيلي، لأن ذلك قد يفتح حرباً واسعة. لكنه يستطيع دعم دمشق دبلوماسياً، وربط أي اتفاق إقليمي بعودة إسرائيل إلى خطوط فصل القوات، وتقديم أنظمة دفاع ومراقبة للحكومة السورية ضمن ترتيبات تمنع تحويل سوريا إلى ساحة تهديد لإسرائيل أو إلى دولة منزوعة القدرة على الدفاع عن نفسها.
وسيكون هذا الملف اختباراً حقيقياً للعلاقة بين تركيا وإسرائيل: هل تقبل أنقرة بوجود إسرائيلي طويل المدى في جنوب سوريا مقابل إنهاء الوجود الإيراني، أم تعتبر أن إسرائيل حلت محل إيران كقوة عسكرية خارجية تفرض إرادتها على الدولة السورية؟
الملف العاشر: حزب الله... الحلقة الأخيرة في طريق إيران إلى المتوسط
يستحق حزب الله ملفاً مستقلاً، لأنه يمثل النتيجة النهائية لسلسلة تمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. فإذا فُككت الفصائل العراقية المرتبطة بطهران، وضبطت سوريا حدودها، وتوقفت شحنات السلاح، يصبح حزب الله معزولاً عن عمقه العسكري الخارجي.
وأقر الحزب بعد سقوط النظام السوري السابق بخسارة طريق الإمداد العسكري عبر سوريا. كما أعلنت السلطات السورية في تموز/يوليو 2026 ضبط شحنة أسلحة متقدمة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى الحزب.
في الوقت نفسه، تتولى إسرائيل الضغط العسكري المباشر، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ربط انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بتسليم حزب الله سلاحه. وتوصل لبنان وإسرائيل إلى قائمة أولية بالدول التي يمكن أن تشارك بقوات للتحقق من نزع السلاح، لكن الحزب ليس طرفاً في الاتفاق وما يزال يرفض التخلي الكامل عن قدرته العسكرية.
يرتبط دور السعودية في هذا الملف بدعم الدولة اللبنانية والجيش وإعادة بناء الاقتصاد، بما يسمح للحكومة باستعادة قرار الحرب والسلم. فالرياض لا تريد فقط نزع سلاح حزب الله، بل منع ظهور تنظيم مسلح جديد يحل مكانه نتيجة ضعف الدولة.
أما تركيا فيمكن أن تؤدي دوراً سياسياً وعسكرياً غير مباشر، عبر دعم الجيش اللبناني أو المشاركة في ترتيبات دولية للمراقبة. وقد تكون باكستان مقبولة نظرياً ضمن قوة دولية أو إسلامية للتحقق من وقف تهريب السلاح، لكنها لم تعلن حتى الآن استعدادها لإرسال قوات إلى لبنان.
ولا تعني خسارة السلاح بالضرورة اختفاء حزب الله. فقد يتحول إلى حزب سياسي واجتماعي، أو يحتفظ بشبكة أمنية سرية، أو ينقسم بين جناح يقبل العمل السياسي وآخر يرفض التسوية. كما أن محاولة نزع سلاحه بالقوة من دون تفاهم داخلي قد تدفع لبنان إلى صدام أهلي.
لذلك سيكون الهدف الأكثر واقعية هو إنهاء حزب الله كجيش مستقل مرتبط بإيران، وليس إلغاء وجوده السياسي والاجتماعي.
الملف الحادي عشر: جنوب لبنان... الانسحاب مقابل نزع سلاح حزب الله
بعد المواجهات المتكررة مع حزب الله، لم تعد إسرائيل تكتفي بالسيطرة على خمس نقاط حدودية كما كان الوضع بعد وقف إطلاق النار السابق. فقد توسعت خلال 2026 داخل جنوب لبنان، وأقامت ما تصفه بمنطقة عازلة تمتد في بعض المناطق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
ووفق تقارير رويترز، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن منطقة أمنية يصل عمقها إلى نحو عشرة كيلومترات على امتداد أجزاء من الحدود، بحجة منع حزب الله من الاقتراب من شمال إسرائيل.
وتربط إسرائيل انسحابها التدريجي بنزع سلاح حزب الله والتحقق من سيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي تنسحب منها. أما لبنان فيطالب بخريطة زمنية للانسحاب الكامل، ويرفض أن يصبح الاحتلال أداة دائمة للضغط على الحكومة.
بدأ تطبيق الخطة عبر «مناطق تجريبية» ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم ينتشر فيها الجيش اللبناني ويجري تفتيشها للتأكد من غياب سلاح حزب الله. لكن التجربة الأولى أظهرت صعوبة التنفيذ، لأن القوات الإسرائيلية بقيت قريبة، ولم يتمكن السكان من العودة بصورة طبيعية، بينما رفض حزب الله اعتبار الاتفاق ملزماً له.
وتختلف المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد 2024 و2026 عن قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 ويطالب بها لبنان، بينما تعتبرها الأمم المتحدة ضمن الأراضي السورية المحتلة إلى حين ترسيم الحدود السورية–اللبنانية. ويستخدم حزب الله استمرار احتلال شبعا ضمن مبررات الاحتفاظ بسلاحه.
وتحاول الخطة الأميركية معالجة المشكلة من خلال ترتيب متبادل: يسلم حزب الله سلاحه الثقيل، وينتشر الجيش اللبناني، ثم تنسحب إسرائيل تدريجياً. لكن كل طرف يخشى تنفيذ التزامه أولاً؛ فحزب الله يقول إن نزع السلاح قبل الانسحاب يترك لبنان مكشوفاً، بينما تقول إسرائيل إن الانسحاب قبل نزع السلاح يسمح للحزب بالعودة إلى الحدود.
السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على دعم البديل اللبناني، من خلال تمويل الجيش والدولة وإعادة الإعمار بعد الانسحاب. ويمكن لتركيا وباكستان تقديم التدريب أو المشاركة في آلية دولية للتحقق إذا وافق لبنان، لكن لا توجد حتى الآن معلومات عن اختيارهما ضمن قائمة الدول المقترحة.
وقد تصبح سوريا عنصراً حاسماً في الحل، لأن ضبط حدودها مع لبنان يمنع إعادة تسليح حزب الله. وهنا تلتقي ملفات العراق وسوريا ولبنان في مسار واحد: نزع سلاح الفصائل العراقية، ووقف التهريب عبر سوريا، ثم تحويل حزب الله من قوة عسكرية إقليمية إلى حزب لبناني يعمل داخل الدولة.
لكن استمرار الاحتلال الإسرائيلي قد يعرقل هذا المسار بدلاً من تسريعه. فكلما طال وجود القوات الإسرائيلية، ازدادت قدرة حزب الله على تقديم سلاحه باعتباره ضرورياً للمقاومة. ولذلك لا يمكن بناء احتكار الدولة اللبنانية للسلاح من دون إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي ووضع آلية دولية تمنع عودته.
وبذلك لا تصبح الضفة وغزة وسوريا ولبنان ملفات منفصلة، بل أجزاء من سياسة إسرائيلية واحدة تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وإبقاء القوات في مواقع استراتيجية، وربط الانسحاب بشروط أمنية تُفرض على الطرف الآخر.
وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام تحالف مكة: فهو يستطيع التعاون بصورة غير مباشرة مع إسرائيل في مواجهة إيران وحماس وحزب الله، لكنه لا يستطيع اكتساب شرعية عربية وإسلامية إذا قبل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بعد إضعاف هذه القوى. فالاختبار ليس فقط من ينزع سلاح الفصائل، بل أيضاً ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب عندما تنتفي الذريعة التي استخدمتها للبقاء.
الملف الثاني عشر: غزة وحماس... مصر على الحدود والمغرب داخل القوة
تختلف غزة عن بقية الملفات لأنها تمس الموقف الشعبي والسياسي لأطراف التحالف، ولا يمكن التعامل معها كتهديد عسكري تقليدي.
مصر هي الطرف العربي الأكثر التصاقاً بالقطاع. فهي تدير الجانب المصري من معبر رفح، وتشارك في الوساطة، وترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما وافقت مع الأردن على تدريب قوة شرطة فلسطينية يفترض أن تتولى الأمن الداخلي في غزة.
أما المغرب، فقد وقع اتفاقاً للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية، يشمل إرسال ضباط وعناصر من الدرك والشرطة ومستشفى ميدانياً. كما يجري إعداد مقر يتسع لنحو 150 جندياً مغربياً داخل منطقة تسيطر عليها إسرائيل في غزة.
وأعلنت دول أخرى، بينها إندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا وأوغندا، استعدادها للمساهمة في القوة، التي يمكن أن يصل حجمها على المدى الطويل إلى نحو 20 ألف عنصر، بالتوازي مع إعداد شرطة فلسطينية جديدة.
بالنسبة إلى السعودية، يرتبط دورها بالتمويل وإعادة الإعمار والغطاء السياسي، لكنها لا تريد الظهور كطرف ينزع سلاح الفلسطينيين لمصلحة استمرار الاحتلال. كما تربط الرياض التطبيع مع إسرائيل بمسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية.
تركيا تحتفظ بعلاقات سياسية مع حماس وتعارض السياسات الإسرائيلية، ولذلك يصعب قبول إسرائيل بمشاركة قوات تركية مباشرة في نزع سلاح الحركة. وقد يكون دور أنقرة أقرب إلى الوساطة وإقناع أطراف من حماس بقبول التحول السياسي، والمشاركة في الإعمار والإغاثة.
أما باكستان، التي لا تعترف بإسرائيل ورفضت دعوات الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، فمن المستبعد أن ترسل قوات تعمل بتنسيق أمني مباشر مع الجيش الإسرائيلي. لكن يمكن أن تدعم ترتيبات دولية تقوم على قرار من مجلس الأمن وموافقة فلسطينية وعربية.
لهذا سيبقى ملف غزة على الأرجح خارج المادة الدفاعية المباشرة لاتفاق مكة، مع حضور سياسي ومالي ودبلوماسي لأطرافه.
الملف الثالث عشر: غزة... انسحاب مشروط أم احتلال طويل المدى؟
يتجاوز ملف غزة مستقبل حماس أو تشكيل القوة الدولية؛ فالسؤال الأساسي هو: هل ستنسحب إسرائيل فعلاً، أم ستتحول السيطرة العسكرية الحالية إلى احتلال طويل المدى تحت اسم «المنطقة الأمنية»؟
بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، بقيت إسرائيل في البداية مسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع. لكن الحكومة الإسرائيلية وسعت لاحقاً المنطقة الواقعة تحت سيطرة جيشها، وقال مسؤولون إسرائيليون إنها وصلت إلى ما بين 60% و70% من غزة.
وتربط إسرائيل الانسحاب الكامل بثلاثة شروط أساسية: تسليم سلاح حماس، وتدمير الأنفاق والبنية العسكرية، ووجود قوة أمنية بديلة تمنع إعادة بناء الحركة. أما حماس فتقول إن تسليم السلاح لا يمكن أن يسبق التزاماً إسرائيلياً واضحاً بوقف العمليات والانسحاب.
وهكذا نشأت دائرة مغلقة:
إسرائيل ترفض الانسحاب قبل نزع السلاح، بينما ترفض حماس تنفيذ نزع السلاح من دون ضمان الانسحاب.
وفي ظل غياب اتفاق على ترتيب الخطوات، تستمر إسرائيل في السيطرة على معظم الأرض، بينما يُدفع السكان إلى مساحات أصغر، وتتأخر إعادة الإعمار وعودة المؤسسات الفلسطينية.
ووافقت إسرائيل على دخول قوة دولية أولية تضم نحو 200 عنصر من المغرب وأوغندا إلى مناطق لا يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. كما يجري بناء مقر لقوات مغربية داخل المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.
لكن هذا الترتيب يطرح سؤالاً حساساً: هل ستكون القوة الدولية بديلاً مؤقتاً يساعد على انسحاب إسرائيل وعودة إدارة فلسطينية، أم ستتحول إلى قوة تدير الجيوب الفلسطينية بينما تحتفظ إسرائيل بالحدود والممرات والمنطقة العازلة؟
إذا انتشرت القوة الدولية فقط في المناطق التي تخليها إسرائيل تدريجياً، وخضعت لقرار دولي وجدول زمني للانسحاب الكامل، يمكن أن تكون جسراً نحو إنهاء الحرب. أما إذا عملت داخل مناطق محدودة، وبقيت إسرائيل تسيطر على 60% أو 70% من القطاع، فقد تصبح جزءاً من تقسيم غزة وليس تحريرها.
وتعد مصر الطرف الأكثر تأثراً بهذا الاحتمال. فهي ترفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وتخشى من بقاء كتلة سكانية كبيرة محصورة قرب حدودها، كما تريد أن تتولى شرطة فلسطينية مدربة إدارة الأمن بدلاً من الجيش الإسرائيلي أو حماس.
السعودية يمكن أن تقود التمويل وإعادة الإعمار، لكنها ستواجه صعوبة في دفع مليارات الدولارات داخل مناطق تبقى معرضة للعمليات الإسرائيلية. أما تركيا وباكستان فلن تقبلا بسهولة المشاركة في ترتيبات أمنية تُدار تحت السيطرة الإسرائيلية ولا تضمن دولة فلسطينية.
لذلك يجب أن يكون موقف تحالف مكة، إذا أراد دوراً في غزة، مرتبطاً بثلاثة شروط: جدول معلن للانسحاب الإسرائيلي، ووحدة غزة والضفة تحت إدارة فلسطينية واحدة، ومنع التهجير أو تحويل المناطق العازلة إلى حدود دائمة.
من دون ذلك، قد تنتقل غزة من حكم حماس إلى إدارة دولية محدودة، بينما يبقى الاحتلال الإسرائيلي صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والجو والبحر.
ثالثاً: فلسطين والتطبيع وإعادة موازنة الإقليم
الملف الرابع عشر: الضفة الغربية... ضم بلا إعلان ودولة بلا أرض
تمثل الضفة الغربية الاختبار السياسي الأهم لأي نظام إقليمي جديد. فبينما تتحدث الولايات المتحدة والدول العربية عن دولة فلسطينية مستقبلية، تتحرك الحكومة الإسرائيلية على الأرض بطريقة تجعل قيام هذه الدولة أكثر صعوبة.
منذ اتفاق أوسلو، قسمت الضفة إلى ثلاث مناطق: المنطقة «أ» الخاضعة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية، والمنطقة «ب» الخاضعة للإدارة الفلسطينية والسيطرة الأمنية المشتركة، والمنطقة «ج» التي تشكل نحو 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
لكن هذا التقسيم المؤقت، الذي كان يفترض أن ينتهي بتسوية نهائية، تحول إلى واقع دائم. والأسوأ أن الحكومة الإسرائيلية بدأت خلال 2026 توسيع صلاحياتها الإدارية والأمنية إلى المنطقتين «أ» و«ب»، تحت عناوين مراقبة البناء والمياه والآثار والبيئة، بما يسمح بتوسيع عمليات الهدم ومنع التطوير الفلسطيني خارج المنطقة «ج» أيضاً.
كما أقرت الحكومة الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ 1967، وتسهيل شراء المستوطنين للأراضي. ووصف الفلسطينيون ومنظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان هذه الإجراءات بأنها «ضم فعلي» يجري من دون إعلان رسمي.
وفي حزيران/يونيو 2026 أعلنت إسرائيل توسيع أكثر من ألفي وحدة استيطانية في ثلاث مستوطنات، ضمن مسار متواصل لزيادة عدد المستوطنين وربط المستوطنات بالطرق والبنية التحتية الإسرائيلية.
هذا الواقع يعيد طرح الفرضية التي تقول إن التسوية المقبلة قد تمنح الفلسطينيين إدارة محدودة داخل أجزاء من المنطقة «أ»، بينما تبقى المنطقة «ج» والقدس والحدود والمستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية. لكن لا توجد حتى الآن وثيقة أميركية أو عربية معلنة تقر رسمياً إنشاء دولة فلسطينية في غزة مع حكم ذاتي محدود في الضفة.
الموجود هو خطر أن تفرض إسرائيل هذا النموذج على الأرض ثم تطلب من العالم التعامل معه بوصفه الحل ال



