خبرني - بين طفح جلدي يغطي أجسادهم، وارتفاع في درجات الحرارة يحرمهم النوم، وأمهات يراقبن أطفالهن بقلق، يواجه الأطفال والرضع في قطاع غزة انتشارا متزايدا لجدري الماء، في بيئة صحية ومعيشية قاسية تجعل التعامل مع المرض أكثر صعوبة، وتفاقم مخاطر مضاعفاته لدى الفئات الأصغر سنا.
ولم يعد جدري الماء بالنسبة إلى كثير من العائلات في غزة مجرد مرض عابر، إذ يتزامن انتشاره مع الاكتظاظ في مخيمات النزوح، وارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه النظيفة، وتراجع خدمات الصرف الصحي والنظافة، فضلا عن صعوبة الحصول على الأدوية والرعاية الطبية.
آلاف الإصابات وتحذيرات من تفاقم التفشي
وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت بداية الشهر الماضي من ارتفاع حاد في حالات الإصابة بجدري الماء في قطاع غزة، مشيرة إلى تسجيل نحو 9300 إصابة خلال أسبوعين فقط، أُبلغ عنها عبر أكثر من 130 منشأة صحية، في حين تتركز أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس.
وأرجعت المنظمة هذا الارتفاع إلى تدهور الظروف البيئية، والاكتظاظ الشديد، والثغرات في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب تأثير فصل الصيف، مؤكدة مواصلة تقديم مضادات الهيستامين والمضادات الحيوية وخافضات الحرارة وغيرها من الأدوية الأساسية للمصابين.
كما أوضحت أن المنظمات الشريكة تعمل على توسيع نقل المياه بالصهاريج إلى مواقع النزوح الأكثر اكتظاظا، وزيادة أعمال كلورة المياه، وتعزيز تنظيف المراحيض وتطهيرها، إلى جانب نشر أكثر من 100 مرشد صحي لتوعية السكان بالتعامل مع الحالات منزليا، وممارسات العزل، وأهمية طلب الرعاية الطبية مبكرا.
لكن الأرقام لا تعكس وحدها حجم المعاناة، إذ تتوالى شهادات الأهالي والصحفيين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، موثقة إصابة أطفال ورضع بالمرض داخل الخيام ومراكز النزوح.
رضيعة في أيامها الأولى تصارع المرض
من بين هذه الحالات، تروي أسماء أبو غالي، جدة الطفلتين تالا وريتاج، في مقابلة مع الجزيرة، معاناة حفيدتيها مع جدري الماء.
وتقول إن الطفلة الصغرى أُصيبت بالمرض بعد نحو أسبوع من ولادتها، قبل أن ترتفع حرارتها إلى 40 درجة مئوية، مما استدعى نقلها إلى المستشفى، حيث بقيت 6 أيام تحت المراقبة.
وتضيف أسماء أبو غالي أن الأسرة اضطرت إلى إخراج الطفلة من المستشفى في ظل عدم توافر العلاج، واقتصرت الرعاية على بعض المراهم، قبل أن تزداد حالتها سوءا وتنتقل العدوى إلى شقيقتها الكبرى التي تبلغ من العمر عاما و7 أشهر.
وتقول إن الطفلة لا تزال تعاني من المرض، بينما يزيد من معاناتها الحر الشديد ونقص المياه وصعوبة توفير العلاج، مشيرة إلى أن ارتفاع الحرارة يحول دون نوم الطفلتين، ويجعل تهدئتهما أكثر صعوبة.
الرضع الأكثر عرضة للمضاعفات
ويقول الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال في مجمع ناصر الطبي، في مقابلة مع الجزيرة، إن جدري الماء لم يكن يحظى باهتمام كبير قبل الحرب، لكن ظروف القطاع الصحية الحالية جعلت المرض أكثر خطورة.
ويشير الفرا إلى عدم توافر التطعيمات اللازمة، ونقص الغلوبولين المناعي المضاد للفيروس، إلى جانب شح الأدوية المضادة للفيروسات، موضحا أن هذه العوامل تحد من قدرة الطواقم الطبية على التعامل مع الحالات، خصوصا بين الأطفال الأكثر هشاشة.
ويضيف أن أعداد الحالات المشخصة تقترب من 10 آلاف حالة وفق المعطيات التي يستند إليها، متوقعا ارتفاعها بسبب سهولة انتقال الفيروس، لا سيما مع ضعف المناعة وسوء التغذية وتدهور ظروف المياه والنظافة بين الأطفال الذين يعيشون في الخيام.
ويحذر الفرا من أن جدري الماء قد يكون أكثر خطورة لدى الأطفال الرضع، إذ يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، بينها الالتهاب الرئوي، والتهاب الدماغ، والتهاب عضلة القلب، والتهاب الكبد، وقد يصل في الحالات الأشد خطورة إلى تجرثم الدم.
تحذير من تفشٍ أوسع
وفي سياق متصل، حذر مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، من تفاقم انتشار جدري الماء في القطاع، مشيرا في تصريحاته إلى تسجيل أكثر من 58 ألف إصابة منذ بداية عام 2026، مع تركز أكثر من نصف الإصابات في محافظة خان يونس.
وقال البرش إن انتشار المرض يأتي في سياق صحي وإنساني بالغ الصعوبة، يتداخل فيه نقص الأدوية وتراجع قدرات المستشفيات مع النزوح والاكتظاظ وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.
وأوضح أن الاكتظاظ في أماكن النزوح، وتلوث مصادر المياه، وتراجع خدمات الصرف الصحي، وتراكم النفايات، ونقص مستلزمات النظافة، كلها عوامل تهيئ ظروفا مواتية لانتشار الأمراض المعدية، ومنها جدري الماء والجرب.
وشدد على أن مواجهة انتشار الأمراض لا تقتصر على توفير الأدوية والعلاج، بل تتطلب حماية مصادر المياه وتحسين خدمات الصرف الصحي والإصحاح البيئي، وتوفير بيئة صحية وآمنة للسكان.
شهادات عن معاناة الأطفال
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تحولت شهادات الأهالي ومقاطع الصحفيين والناشطين إلى نافذة على واقع المرض داخل مخيمات النزوح، حيث تظهر أجساد أطفال ورضع تغطيها آثار الطفح الجلدي، في مشاهد أثارت قلقا وتفاعلا واسعا.
وكتب مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، عبر حسابه على فيسبوك منتصف الشهر الماضي، أن أكثر من 1.5 مليون إنسان يعيشون في خيام تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، في ظل نقص المياه النظيفة وانقطاع الكهرباء والاكتظاظ والحر الشديد.
وأشار أبو سلمية إلى انتشار أمراض جلدية، بينها جدري الماء، إلى جانب زيادة حالات الإسهال والقيء والنزلات المعوية والأمراض التنفسية، فضلا عن ارتفاع حالات التهاب الكبد، محذرا من التداعيات الصحية لهذه الظروف.
كما وثق الصحفي إبراهيم محارب، في مقطع فيديو، حالة الرضيعة تالا أبو غالي، البالغة من العمر 20 يوما، بعدما أُصيبت بجدري الماء داخل مخيم للنازحين. وبحسب ما وثقه المقطع، كانت والدتها قد أُصيبت بالمرض قبل انتقال العدوى إلى رضيعتها، في حين بدأت الأعراض بالظهور على شقيقتها أيضا.
وفي حالة أخرى، وثقت الصحفية ولاء أبو جامع معاناة الرضيع أسامة سحلول، الذي لم يتجاوز عمره 20 يوما، بعد إصابته بجدري الماء في ظروف صحية وإنسانية قاسية.
وتكشف هذه الحالات أن المرض لا يتوقف عند الطفح الجلدي والحرارة، بل يتحول بالنسبة إلى العائلات النازحة إلى معركة يومية مع نقص المياه والأدوية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.
"من نجا من القصف يواجه الوباء"
ولاقت صور ومقاطع الفيديو التي توثق انتشار جدري الماء بين الأطفال والرضع في مخيمات النزوح تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من اتساع دائرة العدوى.
وقال ناشطون إن أسامة، الذي لم يعرف من الحياة سوى أيام قليلة، بات يواجه خطر المرض في بيئة تحاصرها الأوبئة، معتبرين أن حالته ليست فردية، بل صورة تختصر معاناة آلاف الأطفال.
وأشار آخرون إلى أن غياب المياه النظيفة وضيق أماكن الإيواء والاكتظاظ يحول المرض إلى وجه آخر من وجوه المعاناة اليومية، معتبرين أن "من نجا من القصف يواجه اليوم خطر الوباء".
ووصف مدونون ما يجري بأنه "معركة صامتة داخل الخيام"، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وتراكم النفايات وارتفاع درجات الحرارة، محذرين من أن الظروف الحالية لا تزيد معاناة المصابين فحسب، بل تهيئ بيئة مواتية لمزيد من انتشار الأمراض.
وربط ناشطون بين تفشي جدري الماء والظروف التي يعيشها النازحون، من اكتظاظ شديد داخل الخيام ومراكز الإيواء، وتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، ونقص الأدوية ومستلزمات النظافة، فضلا عن ارتفاع درجات الحرارة وتراكم النفايات والمياه الراكدة.
كما عبّر متفاعلون عن خشيتهم من تحول انتشار جدري الماء إلى أزمة صحية أوسع، مطالبين بتوفير الأدوية والتطعيمات، وتحسين ظروف المياه والنظافة، وتأمين الرعاية الطبية للأطفال والرضع.
وهكذا، تكشف صور الأطفال المصابين وشهادات ذويهم أن جدري الماء في غزة يتجاوز كونه مرضا موسميا، ليصبح جزءا من أزمة صحية أوسع تتقاطع فيها الحرب والنزوح وسوء التغذية ونقص المياه والدواء، في حين يجد الأهالي أنفسهم أمام خطر جديد يضاف إلى قائمة طويلة من المخاطر التي تهدد حياة أطفالهم.



