*
السبت: 08 أغسطس 2026
  • 08 أغسطس 2026
  • 01:02
دماغك الذي يتعفن لغز أكبر كذبة علمية طاردت مستخدمي الشاشات

خبرني - بدأت قصة الإنترنت عام 1989، عندما أنشأ العالم البريطاني تيم بيرنرز لي شبكة هدفها ربط المنظمات الأوروبية ببعضها البعض، فطور شبكة الويب العالمية. لكن الإنترنت في ذلك الوقت لم يكن شائع الاستخدام أو متاحا لعامة الناس كما هو في وقتنا الحالي، فقد كانت الشبكة قاصرة على المؤسسات الحكومية والعسكرية والأكاديمية في أوائل التسعينيات، وشيئا فشيئا بدأ فتح الإنترنت أمام الاستغلال التجاري، وبحلول عام 2000، شهدت الشبكة العنكبوتية نقلة نوعية مع تطور محركات البحث، وظهور البريد الإلكتروني بشكله الحديث.

وبداية من عام 2005، وبالتوازي مع الاستخدام الشعبي واسع النطاق لشبكة الإنترنت، بدأ تداول بعض المصطلحات، بعد أن أُضفيت عليها الصفة العلمية، أبرزها كان مصطلح "الإنفومانيا" (Infomania)، الذي يعني (هوس المعلومات)؛ إذ زعمت دراسة أجريت لصالح شركة الحوسبة الأمريكية هيوليت باكارد (Hewlett-Packard)، أن استخدام البريد الإلكتروني يخفض معدل ذكاء الأفراد أكثر من تعاطي "نبات القنب"، المسبب للانتشاء والهلوسة.

وصرح الباحثون وقتها قائلين إن الأشخاص الذين يتعرضون لتشتت الانتباه من قبل رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية الواردة، يقل معدل ذكائهم بمقدار 10 نقاط، أي أكثر من ضعف ما سجلته الدراسات التي تناولت تأثير تعاطي "الماريجوانا"، لما لاستخدام هذه الوسائل من آثار مشابهة لتأثير عدم النوم ليلة كاملة، إضافة إلى الشعور بالتعب والخمول وعدم القدرة على الإنتاج.

أثارت هذه الدراسة موجة عارمة من القلق، وتناقلتها التغطيات الصحفية حينذاك من الغارديان إلى صحيفة التايمز، وشبكة "سي إن إن" الإخبارية، بعناوين مثيرة مثل "الإيميل قد يقلل معدل ذكائك أكثر من تعاطي الحشيش"، (ولا تزال الدراسة تستحضر إلى اليوم في وسائل الإعلام). غير أن أحد العلماء انهمك في البحث عن الورقة البحثية الأصلية للدراسة، وهو شين أومارا، عالم الأعصاب الأيرلندي وأستاذ أبحاث الدماغ التجريبية في كلية ترينيتي بمدينة دبلن، وما وجده كان صادما، فلم يكن للورقة البحثية وجود.


كل ما هنالك كان بيانا صحفيا حول استطلاع رأي على غرار استطلاعات "غالوب"، شمل حوالي ألف شخص اعترفوا بإساءة استخدامهم للتكنولوجيا بطرق مختلفة، أما النصف الثاني لما وصف بـ "الدراسة العلمية"، فكان عبارة عن استشارة ليوم واحد قام بها طبيب نفسي، بمشاركة 8 أفراد فقط، وجد أن قدرتهم على حل المشكلات تأثرت بإشعارات البريد الإلكتروني ورنين الهواتف المحمولة، ما عمل على تشتيت ذهنهم لبعض الوقت.

ما وصفه المشاركون كان تشتيتا مؤقتا، وليس انخفاضا دائما في معدلات الذكاء، كما صورت التقارير الصحفية. لكن بعض الجهات لجأت لإضافة بعض الجوانب الجاذبة للانتباه لأجل الحبكة، إذ قارنوا تلك النتائج مع تأثيرات قلة النوم وتدخين الماريجوانا، وهو ما اعترض عليه الطبيب النفسي الذي أجرى الاستشارة لاحقا. وهكذا أُخرجت هذه التجربة العجيبة مصطلح "هوس المعلومات" (الإنفومانيا) إلى النور، للإشارة إلى الشعور بالإرهاق والتشتت الناتج عن التدفق الهائل للبيانات الرقمية، وتفقد الرسائل والإشعارات بلا توقف.

هذه المقدمة الطويلة ضرورية للغاية قبل أن نتلمس طريقنا لفهم طبيعة هذه المصطلحات التي تنتشر بصحبة التكنولوجيا، هل هي حقا معبرة عن ظواهر حقيقية؟ أم أنها مجرد "زوبعات" إعلامية وثقافية؟ وكما انتشر مصطلح "هوس المعلومات" عام 2005، قبل ولادة الجيل الأول من أجهزة آيفون عام 2007، سيظهر مصطلح "تعفن الدماغ"، والذي اقترن شيوعه عام 2023 بانتشار محتوى الفيديوهات القصيرة لتطبيق "تيك توك"، بعدما قيل إنها تتسبب في تدهور القدرات العقلية والذهنية للمتابعين.


تعفن الدماغ.. مرض حقيقي أم مبالغة؟


عندما نسمع مصطلح "تعفن الدماغ"، فإن أول ما يستحضره الذهن صورة لدماغ ينال منه العطب، ويبرز على سطحه العفن الأخضر. هذه الصورة الذهنية الصادمة، لا توحي بأي حال من الأحوال بما يعنيه هذا المصطلح حقيقة، والذي يشير إلى حالة الشرود الذهني وعدم القدرة على التركيز أو إنجاز المهام اليومية الشاقة والمملة.

في عام 2024، اختارت دار نشر جامعة أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" كلمة العام، وعرفت المصطلح بأنه تدهور في الحالة العقلية أو الفكرية للشخص، نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى الذي يصنف "تافها" أو غير هادف، وهو المحتوى الذي لا يحفز العقل على التفكير والتحليل العميق. وكان مصطلح "تعفن الدماغ" قد شهد رواجا كبيرا خلال العام؛ إذ لاحظ خبراء اللغة (المسؤولون عن إصدار قاموس أكسفورد الإنجليزي الشهير)، زيادة في معدل استخدام المصطلح بنسبة وصلت إلى 230% بين عامي 2023 و2024، واستخدم على الأغلب للتعبير عن المخاوف المرتبطة بالاستخدام السلبي للهواتف المحمولة، وبخاصة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.

كان اللافت للنظر، أن المصطلح في حد ذاته ليس جديدا، فأول ذكر موثق لهذا التعبير اللغوي يعود إلى عام 1854، في كتاب "بحيرة والدن" (Walden) للشاعر والفيلسوف الأمريكي، هنري ديفيد ثورو، والذي استخدم اللفظ المركب "التعفن الدماغي" لوصف حالة الانغماس في الأفكار السطحية، والميل المجتمعي للتقليل من شأن الأفكار المعقدة.  فيقول ثورو: "بينما تكثف إنجلترا جهودها لمعالجة تعفن البطاطس، ألن تحاول أي جهة أخرى إيجاد حل لتعفن الدماغ، هذا الذي ينتشر على نحو أوسع نطاقا وأكثر فتكا؟".

كان ثورو فيلسوفا متقشفا، انتقد مجتمع القرن التاسع عشر المنغمس في متطلبات الحياة الحضرية، وقد رأى في نمط الحياة هذا مؤشرا على تراجع قدراتهم العقلية والفكرية، وبعد أن اختلى بنفسه في أحضان الطبيعة لأكثر من عامين على ضفاف بحيرة والدن، عاد ليروي تجربته عن عيش حياة بسيطة قائمة على التأمل، فخرج كتابه إلى النور، والذي يعتبر علامة فارقة في الأدب والفكر الأمريكي.

لكن بالنظر إلى أصل المصطلح، نجد أنه مجرد تعبير أدبي الأصل، أُعيد إحياؤه لوصف واقعنا المعاصر، تحديدا حالة الاستغراق في الفضاء الرقمي. لكن هل يعني ذلك أن "تعفن الدماغ" مرض حقيقي؟ الحقيقة أنه رغم ارتباط الحالة التي يصفها المصطلح ببعض الأعراض المرضية مثل الشعور بالتعب والإرهاق واضطرابات النوم، بالإضافة إلى صعوبة التركيز وضعف الانتباه، إلا أنه لا يعد مرضا معترفا به من الناحية العلمية.

يقول عن ذلك الدكتور كيرولوس بولس، أخصائي علم النفس العصبي السريري في مركز يو إتش كليفلاند الطبي بولاية أوهايو الأمريكية: "هذا المصطلح غير معتمد في الأوساط العلمية، فهو يشبه مظلة تندرج تحتها كل الآثار النفسية والجسمانية المتصورة للإفراط في استهلاك الوسائل الرقمية، بما في ذلك الطبيعة الإدمانية لهذه الوسائل، والتي تجعل الدماغ يبحث عن المكافأة السريعة عبر التمرير المستمر للمحتوى القصير على المنصات الرقمية".


دعنا هنا نؤكد أن هناك مشكلة بالفعل، مثلا في عام 2024، وخلال دعوة قضائية ضد شركة "بايت دانس" الصينية (مالكة تيك توك)، كشفت ثلاثين صفحة من الوثائق، أن المنصة صممت خوارزمياتها لترسيخ نمط استخدام (إدماني)، ونظرا لقصر مدة الفيديوهات، فهذا يعني أن المستخدم يشاهد في الدقيقة الواحدة ما بين 5 إلى 6 مقاطع قصيرة، أي أن الدماغ البشري يتنقل في الدقيقة الواحدة بين أكثر من خمسة أفكار مختلفة، وهو ما يزيد من حدة تشتت الانتباه، وهذا يجري على كل المنصات الأخرى مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وغيرها بنسب متفاوتة.

لقد صممت خوارزميات المنصات الرقمية بطريقة جاذبة للانتباه، حتى يبقى المتصفح متعلقا بالتطبيق، الذي يبقيه لأطول فترة ممكنة من خلال نظام المكافأة، وهذه المكافأة تأتي في أشكال عدة، أحدها الابتسامة التي تغمر وجوهنا عند رؤية مقطع قصير لقط أليف يباغت المتفرج بحركة غير متوقعة، أو الشعور بالتواصل المستمر مع الآخرين، حتى وإن كانوا مجرد غرباء، تقتصر علاقتنا الافتراضية بهم على تبادل تسجيل الإعجاب بالمنشورات على المنصات الإلكترونية. وهكذا يصبح "انتباه الإنسان" سلعة ثمينة، تتنافس شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية للاستحواذ عليها، وهذا السعي المحموم لجذب الانتباه والاستثمار فيه، هو ما أطلق عليه الباحثون اسم "اقتصاد الانتباه".

احذر من المبالغة
لكن رغم كل ما سبق، يجب أن نحذر من المبالغة في التخويف من التأثيرات السلبية للتكنولوجيا، وهذه القضية هي محور دراسات البروفيسور أندرو برزيبيلسكي، وهو أستاذ في جامعة أكسفورد متخصص في تأثير التكنولوجيا على السلوك البشري والصحة النفسية. يقول لصحيفة الغارديان: "بدأ الترويج لمثل هذه الأفكار منذ عام 2017، والتي انتشرت بدافع من المخاوف والتحيزات المسبقة لدينا تجاه التقنيات الحديثة، وما عزز وجودها كان مجموعة من الدراسات العلمية دون المستوى ولا ترقى إلى المعايير العلمية المطلوبة"، ورغم ذلك حظيت هذه الدراسات بحسب برزيبيلسكي بتغطية إعلامية واسعة فور نشرها، بل ونالت التمويلات المالية اللازمة، وذلك لأنها كانت جاذبة للانتباه وتتوافق مع التصورات النمطية والتحيزات المسبقة لدى الجماهير.


بحكم عمله يتنقل أستاذ أكسفورد بسلاسة بين المنصات الإلكترونية، فهو متابع لأغلب تطبيقات التواصل، ويحضر اجتماعات مسموعة ومرئية عبر تطبيقات مثل فيس تايم، دون أن تظهر عليه أية علامات تدل على التدهور العقلي حسب قوله. وفي عام 2023، نشر معهد أكسفورد للإنترنت (OII)، دراسة أجراها البروفيسور برزيبيلسكي بمشاركة باحثين آخرين من جامعة كامبريدج وجامعة أوريغون الأمريكية وجامعة تيلبورغ الهولندية، وشمل البحث تحليل بيانات أكثر من 12 ألف طفل في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لبيان تأثير استخدام الشاشات على وظائف الدماغ أو الصحة العامة للأطفال.


تراوحت أعمار الأطفال بين 9 و12 عاما، واستمرت الدراسة قرابة عامين كاملين، رصد خلالها الباحثون مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال عادة أمام الشاشات، وتراوحت العينات بين أطفال لا يستخدمون الشاشات على الإطلاق، وآخرون يقضون أكثر من أربع ساعات يوميا أمام شاشة الهاتف. وقد حللت الدراسة الأنشطة الرقمية التي يمارسونها، بداية من ألعاب الفيديو، مرورا بمشاهدة الفيديوهات على المنصات الرقمية، ووصولا لمشاهدة البرامج التلفزيونية والأفلام، كما طلب منهم التواصل مع الآخرين عبر التطبيقات الإلكترونية.

في غضون ذلك، انهمك الباحثون في تقييم النمو العصبي للأطفال، عبر أساليب مراقبة الترابط الوظيفي للدماغ، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي، إضافة إلى تقييمات الصحة البدنية والنفسية، وجاءت النتائج مفاجئة، فلم تظهر الدراسة أي علامات على وجود خلل في نمو أدمغة الأطفال، حتى المشاركين الذين أظهروا معدلات مرتفعة من التفاعل الرقمي. يقول أندرو برزيبيلسكي لصحيفة الغارديان، في يناير/كانون الثاني 2025: "لم تظهر دراستنا النتائج السلبية التي كانت متوقعة، كما لم تثبت أي تأثير على الصحة النفسية للأطفال".

لا يحجب برزيبيلسكي أطفاله عن الهواتف الذكية أو ألعاب الفيديو، يكتفي بتعليمهم كيفية إدارة الوقت وتنظيمه، وكذلك أهمية اختيار المحتوى المناسب، وفي وقت الراحة، يسمح لهم باستخدام الهواتف وممارسة الألعاب الإلكترونية، قائلا عن ذلك: "إن الحياة محفوفة بالمخاطر، الخروج من المنزل مخاطرة، وعبور الشارع مخاطرة، والإنترنت مثل كل شيء آخر، يمكن أن يصبح مغامرة غير مأمونة العواقب، لكن دورنا ينصب على مساعدة النشء الجديد على تقييم المخاطر وحسن التصرف".


مشكلة أعمق
مرة أخرى، نؤكد أنه على الرغم من دراسات أندرو برزيبيلسكي، يبقى العلماء قلقين تماما من أثر العالم الرقمي على أدمغتنا، لا لأن الدراسات أكدت ذلك، فالعمل في هذا النطاق يظل غير حاسم ومتفاوت، لكن لأن البيئة الرقمية تمثل أرضا خصبة للمشكلات، تقول أخصائية علم النفس العصبي، جولي هوك، عن التعفن الدماغي: "ليس هناك من عيب في عقولنا البشرية، كل ما هنالك أن البيئة المحيطة تغيرت بشكلٍ جذري وبسرعة هائلة في غضون بضع سنين، في حين أن آلية عمل أدمغتنا، بما تحتويه من شبكات عصبية معقدة تعمل على تحليل ومعالجة المعلومات وتنظيم الانتباه وترتيب الأفكار، هذه البنية برمتها بقيت على حالها".

كانت هوك تقصد أن العقل البشري لم يأخذ كفايته من الوقت للتكيف مع كل المتغيرات التي أصبحت حاضرة في بيئتنا المعاصرة، ناهيك عن أن البيئة الرقمية ذاتها تتغير بسرعة مذهلة.

ولفهم قدر التوتر الكامن في الإجابة عن الأسئلة حول علاقة العالم الرقمي بحالتنا النفسية، دعنا نتأمل مجموعة من أشهر الدراسات في هذا النطاق، أبرزها مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2025 في دورية "سايكولوجيكال بوليتن"، وجمعا نتائج 71 دراسة شملت 98299 شخصا، ووجدا أن الاستخدام المكثف للمقاطع القصيرة ارتبط بأداء معرفي أضعف بدرجة متوسطة، خصوصا في الانتباه وضبط الاستجابات والاندفاع، كما ارتبط بدرجة أضعف بزيادة القلق والتوتر. لكن الدراسة تتحدث عن ارتباطات، ولذلك لا تثبت أن المقاطع القصيرة هي السبب المباشر، أو أنها أحدثت تلفا دائما في الدماغ.

وفي مراجعة أخرى نشرت عام 2024، فحص الباحثون 182 دراسة شملت أكثر من 1.16 مليون شخص. ووجدوا ارتباطات صغيرة، وإن كانت ذات دلالة إحصائية، بين استخدام وسائل التواصل والاكتئاب والقلق، وكانت العلاقات أوضح لدى من يُصنّف استخدامهم بأنه "إشكالي" أو خارج عن السيطرة. لكن النتائج اختلفت بدرجة كبيرة بين الدراسات، وكان 139 بحثا من أصل 182 من النوع المقطعي، أي إنه قاس الاستخدام والأعراض في الوقت نفسه، فلا يمكنه تحديد أيهما سبق الآخر.

وفي الاتجاه المقابل، أظهرت دراسة واسعة نشرت في "نيتشر هيومان بيهيفيور" وحللت بيانات 355358 مراهقا أن العلاقة بين استخدام التقنيات الرقمية والرفاه النفسي كانت سلبية، لكن الفوارق المرصودة كانت بسيطة للغاية، ولم تفسر أكثر من 0.4% من الاختلافات في مستوى الرفاه. وهذا يعني أن عوامل مثل النوم والأسرة والضغط الدراسي والصحة النفسية والظروف الاجتماعية قد تكون أهم بكثير من عدد ساعات الشاشة وحده.

الخلاصة العلمية أنه توجد أدلة معقولة على أن الاستخدام الكثيف للمقاطع القصيرة "قد" يقترن بتشتت الانتباه وضعف التحكم في الاندفاع واضطراب النوم والقلق، وهذا بالفعل يستحق قدرا من التدخل، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الحكومات على حد سواء، لكن لا توجد أدلة على مرض اسمه "تعفن الدماغ"، ولا على أن التصفح يؤدي حتما إلى تلف عصبي دائم أو انهيار شامل للقدرات العقلية، المبالغة تحدث عندما تُحوَّل ارتباطات متفاوتة ومعقدة إلى قصة بسيطة مفادها أن "الهاتف يدمّر الدماغ".


وتلك هي المشكلة الأكبر، فجزء كبير من الخطاب المتداول حول تعفن الدماغ مبالغ بطبعه، ويتخطى ما يقوله العلم أو حتى يفترضه، حيث يوحي بأن مشاهدة المقاطع القصيرة أو تصفح وسائل التواصل تؤدي تلقائيا إلى تدهور دائم في قدرات الدماغ، بينما لا يوجد ما يثبت أن الدماغ يتعفن حرفيا أو أن كل استخدام مكثف للتقنيات الرقمية يسبب تلفا عصبيا.

والأدق علميا هو الحديث عن تغيرات مؤقتة في العادات والانتباه، مثل الاعتياد على التنقل السريع بين المثيرات أو صعوبة الصبر على المهام الطويلة، وهي أنماط يمكن جدا تعديلها غالبا بتنظيم الاستخدام وتحسين النوم والعودة إلى أنشطة تتطلب تركيزا ممتدا، هذا تحديدا هو العلاج، وهو أمر بسيط يمكن أن تتدرب عليه، لكنه تحول مع الثورة الإعلامية إلى مساقات وكتب ومنشورات فيروسية على وسائل التواصل المختلفة.

وقد أسهمت وسائل الإعلام ومنصات التواصل نفسها في تضخيم المصطلح؛ لأنه مثير وسهل التداول، ويختصر قلقا اجتماعيا معقدا في عبارة صادمة. فبدلا من مناقشة تصميم التطبيقات، وضغوط العمل والدراسة، وقلة النوم، والعزلة الاجتماعية، تُلقى المسؤولية أحيانا على المحتوى الرديء وحده، وكأن المشكلة تكمن في ضعف إرادة المستخدم أو فساد دماغه. ويساعد هذا التبسيط على انتشار المصطلح، لكنه قد يحجب الأسباب الحقيقية وراء المشكلة، ويحول وصفا ثقافيا ساخرا إلى ما يشبه تشخيصا طبيا.

ولا يعني ذلك مجددا أن الإفراط في استخدام المنصات الرقمية بلا عواقب؛ فقد يرتبط بتشتت الانتباه واضطراب النوم وإهدار الوقت، خاصة عندما يزاحم الدراسة والعمل والعلاقات والنشاط البدني. لكن تقييم الضرر ينبغي أن يعتمد على السلوك والنتائج الفعلية، لا على عدد الساعات وحده أو على تسمية درامية. والسؤال الأهم ليس: هل أُصيب الشخص بتعفن الدماغ؟ بل هل أصبح استخدامه للمحتوى الرقمي خارج السيطرة؟ وهل أثر في نومه وأدائه ومزاجه وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية؟

التشخيصات الزائفة
هذه تحديدا هي المشكلة التي نواجهها مع تعفن الدماغ، وهي وجود مصطلح أو تشخيص زائف رائج. في دراسة بحثية نشرتها دار النشر الهولندية "إلزيفير" عام 2026، يحذر الباحثون من انتشار "التشخيصات الزائفة" مثل "تعفن الدماغ"، تلك التي لا تستند إلى أدلة علمية وتجريبية كافية، غير أن انتشارها الواسع عبر الوسائل الإعلامية والرقمية، قد يساهم في إثارة المخاوف والذعر العام، ويؤدي إلى ترسيخ مفاهيم غير صحيحة من الناحية العلمية، والأكثر من ذلك أنه يصرف النظر عن الأضرار الحقيقية لاستخدام التكنولوجيا.

ولأن قوة هذه المصطلحات تكمن في الصور التي تثيرها بالمخيلة، بإمكاننا أن نختم باقتباس منطق غوستاف لوبون، عندما تحدث عن "سحر الكلمة"، في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، قائلا إن الكلمات المبهمة والتي يصعب تحديد معانيها على نحو دقيق تعد الأكثر سطوة وتأثيرا على النفوس، وذلك لأنها تصل إلى الآذان مغلفة بإطار من الغموض، ولأن الجماهير في العادة تميل إلى البساطة أكثر من المحاججة الفلسفية والتفسيرات المركبة، حيث يفسر كل شخص "العبارة المبهمة" على هواه، وفق ما تثيره في مخيلته من صور وأفكار.

ربما لهذا أصبحت مصطلحات مثل التعفن الدماغي، أكثر قدرة على الانتشار والتأثير من عبارات مثل "انخفاض القدرة على التركيز" أو "تشتت الانتباه"، والتي تعد مرادفا واقعيا أكثر دقة، لكنه أقل جاذبية وإثارة.

مواضيع قد تعجبك