في علم السياسة، لا تُقاس أهمية الاتفاقيات بعدد البنود التي تتضمنها، بل بالأسئلة التي تفرضها على خصومها وحلفائها معًا.
ومن هذا المنظور، فإن اتفاقية الدفاع المشترك التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان ليست مجرد وثيقة أمنية، بل إعلان عن بداية مرحلة استراتيجية جديدة تعكس تحوّلًا في فلسفة الأمن الإقليمي، بعد سنوات طويلة من الاعتماد شبه المطلق على المظلة الأمريكية.
دعونا نتفق أن الحدث يتجاوز فكرة التعاون العسكري التقليدي، لكن يعني هذا ان دول الشرق الأوسط بدأت تعيد بناء منظومة أمنها بنفسها، أم أنها فقط ترفع سقف التفاوض مع واشنطن لكل الاحتمالات؟.
لنعود قليلا بالزمن ونفهم ما يحصل ؛منذ نهاية الحرب الباردة، تأسست المعادلة الأمنية في الخليج على قاعدة واضحة النفط مقابل الحماية الأمريكية ، لكن سلسلة الأحداث التي شهدتها المنطقة، من الهجمات على المنشآت النفطية السعودية، والحرب في غزة، والضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، وصولًا إلى التردد الأمريكي في الانخراط العسكري المباشر، خلقت شعورًا متزايدًا بأن الضمانات الأمريكية لم تعد مطلقة كما كانت.
ولذلك، فإن توقيت الاتفاق ليس تفصيلاً عابرًا. فهو يأتي في لحظة تتزايد فيها الشكوك حول استعداد واشنطن لتحمل كلفة الدفاع عن حلفائها، وفي وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لموازين القوى خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية.
وهنا من المناسب ان نشير الى أن الاتفاق يجمع ثلاث ركائز استراتيجية يصعب تجاهلها ،السعودية بثقلها المالي والنفطي وموقعها الجيوسياسي و تركيا بقاعدتها الصناعية الدفاعية وثاني أكبر جيش في حلف الناتو و باكستان باعتبارها القوة النووية الإسلامية الوحيدة.
فهل ممكن محاولة بناء تكامل استراتيجي حيث يمتلك كل طرف ما يفتقده الآخر.؟
اللافت أن الاتفاق يؤكد أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع، وهو نص يذكّر بمبدأ المادة 5 في حلف شمال الأطلسي. صحيح أن تفاصيل التنفيذ لا تزال (غامضة)، لكن مجرد تبني هذا المبدأ يعكس مرحلة التعاون الأمني إلى مفهوم الردع الجماعي لكن إلى أي مدى ؟؟ وتحت أي موافقة ؟؟ وضد من ؟ ألا يوجد ثلاث قوى تهدد أمن المنطقة ككل ؟.
ورغم أن البيانات الرسمية حرصت على التأكيد بأن الاتفاق ليس موجهًا ضد دولة بعينها وهي إيران ، فإن قراءة البيئة الإقليمية تجعل من الصعب فصل الاتفاق عن التحولات الجارية.
إيران تبقى أحد مصادر القلق الأمني للدول الثلاث، سواء عبر برنامجها الصاروخي أو شبكات حلفائها في المنطقة. وفي المقابل، فان السياسة العسكرية الإسرائيلية، خاصة بعد توسع العمليات في غزة ولبنان وسورية، تؤكد مجددا انها عامل جديد في حسابات الأمن الإقليمي.
وهنا تظهر المفارقة. فالتحالف لا يبدو موجهًا لإعلان مواجهة مع ايران ، كما لا يبدو تحالفًا ضد إسرائيل بالمعنى التقليدي، بل يمثل محاولة لامتلاك قدرة (مستقلة نوعا ما ) على الردع دون الارتهان الكامل لواشنطن.
وهذا ما يفسر أيضًا حرص أنقرة على التأكيد أن الاتفاق لا يتعارض مع عضويتها في الناتو، وحرص الرياض على عدم تقديم الاتفاق بوصفه قطيعة مع الولايات المتحدة.
إذن هو ليس اتفاقا بالمعنى الحرفي لمفهوم الاتفاقيات بل إنه أقرب إلى سياسة تنويع الضمانات الأمنية الظاهرة لا استبدالها.
في العمق، يحمل الاتفاق رسالة ثلاثية الأبعاد .
الرسالة الأولى : موجهة إلى واشنطن، ومضمونها أن الحلفاء التقليديين قد يبحثون عن بدائل عندما يشعرون بأن الضامن الاستراتيجي لم يعد قادرًا أو راغبًا في توفير الحماية كما في السابق.
أما الرسالة الثانية : فهي موجهة إلى إسرائيل، ومفادها أن البيئة الإقليمية لم تعد كما كانت، مما قد يدفع دول المنطقة إلى بناء أطر ردع جماعي جديدة .
والرسالة الثالثة لايران وتقول : حتى لو اتفقتم مع واشنطن اصبح يوجد الان مظلة امنية جديدة ولها مصالحها .
ليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من التحليلات الإسرائيلية قرأت الاتفاق باعتباره رسالة سياسية أكثر من كونه تحالفًا عسكريًا مكتمل الأركان.
تل أبيب تدرك أن مجرد اجتماع الرياض وأنقرة وإسلام آباد في إطار دفاعي موحد يفرض عليها إعادة تقييم البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
لكن في المقابل علينا عدم المبالغة في تصوير الاتفاق باعتباره ولادة حلف عسكري يشبه الناتو.فهناك تحديات كبيرة. وقوية ، وضاغطة وأمريكا لديها ملفات كثيرة وربما كانت رسالة ضرب السفينة التركية واصابة طاقمها في البحر الأسود بالمسيرات الأوكرانية وبضوء اخضر أمريكي ، والتلويح بملف خاشقجي من جديد ،وملفات الفساد في باكستان وغيرها الكثير أدوات ليست بلا فائدة .
بالمقابل تركيا عضو في الناتو ولها حساباتها الأوروبية. و باكستان تضع الهند في صدارة أولوياتها الأمنية، ومن غير المرجح أن تزج بترسانتها النووية في نزاعات الشرق الأوسط.
أما السعودية فما زالت ترتبط بشبكة واسعة من المصالح العسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.
والاتفاق لم يحدد حتى الآن آليات التدخل العسكري، أو حجم الالتزامات العملياتية، أو قواعد اتخاذ القرار في حال وقوع هجوم على إحدى الدول.
ولهذا، فإن الاتفاق في مرحلته الحالية يبدو أقرب إلى إطار سياسي للردع يرسل رسائل مفهومة للأطراف كلها ، أكثر من كونه تحالفًا عسكريًا جاهزًا للحرب.
الشرق الأوسط يشهد للمرة الأولى منذ عقود محاولة جدية لإعادة صياغة منظومة أمن إقليمية تنطلق من الداخل، بدل أن تُفرض بالكامل من الخارج.
فهل يفتح الباب أمام انضمام دول أخرى مثل مصر والأردن وسلطنة عمان مما يكشف أن المشروع لا يريد البقاء ثلاثيًا، و يتحول مستقبلًا إلى منصة أمنية أوسع، إذا توفرت الإرادة السياسية.أم ان الحسابات تختلف وفقا لمصالح دول خليجية ؟
وهنا علينا ان نتساءل هل يمثل هذا الاتفاق بداية تشكل نظام أمني إقليمي جديد، أم أنه مجرد ورقة ضغط لتحسين شروط العلاقة مع الولايات المتحدة؟
الإجابة لن تحسمها البيانات الرسمية، ولا تفاؤل الشعوب ،بل ستحددها ،المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتصنيع الدفاعي، وتوحيد أنظمة القيادة والسيطرة، وربما توسيع العضوية.
في النهاية، قد لا تكون قيمة الاتفاقية أنها وُقعت في مكة، بل أنها تعكس حقيقة استراتيجية جديدة،ربما نتمنى ان تكون حقيقية وهي أن دول المنطقة بدأت تتصرف على أساس أن أمنها لم يعد مضمونًا تلقائيًا من الخارج.و تُدار فيها موازين القوى بمنطق تعدد الضمانات بدل الاحتكار، وبحسابات الردع الإقليمي بدل الاعتماد الأحادي.
وهنا يكمن الحدث الحقيقي، فالاتفاق قد لا يكون نهاية مرحلة، بقدر ما يكون –ربما - البداية الهادئة لنظام أمني شرق أوسطي مختلف،سيكون الأختبار الأكبر له و ستتضح ملامحه تدريجيًا مع كل أزمة مقبلة.فهل يحصل ؟؟



