*
الجمعة: 07 أغسطس 2026
  • 07 أغسطس 2026
  • 14:34
مُسيد المومني تكتب  كيف يتحوّل الأردني إلى فقير بالتقسيط
الكاتب: مسيد المومني

يستوقفني في طريقي للعمل يوميا العدد المهول للسيارات الحديثة التي تغص بها شوارعنا، والمشاريع السكنية والمحال التجارية الفخمة، ومن يشاهد أو يمر بهذه المظاهر لوهلة يظن أننا قفزنا بين طبقات المجتمع مباشرة حتى وصلنا إلى ما يتعدى الطبقة المتوسطة. 
وفي الحقيقة، إن هذه السيارات وحتى الشقق وكثيراً من المشاريع الفردية وغيرها مملوكة بالكامل للبنوك وجهات الإقراض الأهلية.
يعني ليس من المنطق في شيء أن يبلغ متوسط الأجر الشهري للموظفين المؤمن عليهم في الأردن نحو 520 ديناراً أردنياً، وجل ما يشغل تفكيره خلال الشهر هو عدد الأيام التي تفصله عن استلام الراتب بالساعة والدقيقة، وما يترتب على معاشه من التزامات وديون لا تمكّنه من تجاوز الأيام الخمسة الأولى بعد الراتب حتى يعود ويفقده.
وهنا تجسد الأرقام الرسمية الصادرة عن "البنك المركزي الأردني" الواقع بالأدلة؛ إذ ارتفعت مديونية الأفراد بنسب تراوحت بين 4% و5.4% سنوياً، ليستحوذ قطاع الأفراد وحده على نحو 41.2% من إجمالي التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك، فهذه النسبة الضخمة تفسر المشهد.
لقد تغير سلوكنا نهائياً، فقد أصبحنا نشتري ما يمكننا تقسيطه وليس ما نحتاج إليه، سحرنا مبدأ "اشترِ ومن ثم ادفع"، كثير من الأسر ملابسها بالأقساط، والمشتريات التموينية بالأقساط، وحتى الرحلة القصيرة يمكن تقسيطها. 
ولا يعد هذا الحال سوى مُخدرٍ يؤجل ثمن الاستهلاك، بينما المستقبل المالي يتم استنزافه بالكامل، وهذا كله بدافع المحاباة والمشابهة ولأن المجتمع يحكم على الفرد بما يملك والصورة التي يظهر بها مجتمعياً.
ومن هنا يبدأ المعيل بالانتباه إلى أن تجمع عدة أقساط  وإن كانت قيمة كل منها بين 10 حتى 30 ديناراً يستهلك جزءاً كبيراً من دخله. عندها يبدأ بالتخلي عن العديد من أساسيات الحياة حتى يلتزم بالسداد، فيبدأ بتقليل الزيارات العائلية ومن ثم الالتزام بالجلوس في المنزل يوم العطل، وهذا يعد انسحاباً صامتاً لمعيل العائلة والانكفاء داخله حتى يواجه متطلبات الحياة المتزايدة وغلاء المعيشة بالمقارنة مع ثبات دخله.
والحقيقة المريرة هنا أننا في واقع الحال لم نعد نصعد لما يتعدى الطبقة المتوسطة، فإن الاستمرار في شراء الرخاء المستعار سيأخذنا مباشرة نحو هاوية لا يتوفر فيها إلا الأقساط والديون البنكية، فنصل إلى اليوم الذي لا نجد فيه ما نقسطه لنُبقي على احترامنا أمام عائلتنا ومجتمعنا.

مواضيع قد تعجبك