أثارت عدة منشورات متداول على مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً بعد أن طولب بتعديل بعض القوانين المتعلقة بالأسرة، مستنداً إلى حالات يُرى فيها أن الرجل أصبح ضحية للعنف أو لإساءة استخدام القانون، ورغم أن مثل هذه المنشورات تعكس معاناة حقيقية لبعض الأفراد، إلا أنها تثير سؤالاً أكبر وأكثر أهمية، هل نبني القوانين على التجارب الفردية، أم على الأدلة العلمية والواقع المجتمعي؟
في كل مرة تُطرح فيها قضية العنف الأسري، ينقسم المجتمع سريعاً إلى فريقين، أحدهما يدافع عن المرأة، والآخر يدافع عن الرجل، ويبدأ كل طرف بسرد قصص وتجارب تؤيد موقفه، حتى يتحول النقاش إلى منافسة حول من هو الضحية الأكبر، بينما يغيب السؤال الحقيقي، كيف نحمي الأسرة وكيف نمنع العنف قبل أن يصل إلى المحاكم؟
المشكلة أن التشريعات لا تُبنى على الانطباعات، ولا تُعدَّل استجابةً لحالات فردية مهما كانت مؤلمة، بل تستند إلى الأدلة العلمية والإحصاءات والبحث في الأسباب والنتائج، فوجود رجال يتعرضون للعنف أو لإساءة استخدام القانون حقيقة لا يجوز إنكارها، كما أن وجود نساء وأطفال يدفعون ثمن العنف يومياً حقيقة لا يمكن التقليل منها، والعدالة لا تتحقق بالانحياز لجنس ضد آخر، وإنما بحماية الضحية ومحاسبة المسيء أياً كان.
ومن أكثر الأفكار خطورة تبرير بعض السلوكيات عندما تصدر عن الرجل باعتبارها "غريزة"، ثم تجريمها عندما تصدر عن المرأة. فالإدمان ليس غريزة، بل اضطراب يحتاج إلى علاج، والعنف ليس وسيلة للتأديب، بل جريمة تستوجب المساءلة، والخيانة ليست حقاً للرجل ولا للمرأة، وإنما انتهاك للثقة يهدم العلاقة الزوجية، ولا يمكن أن نبني منظومة عدالة على معايير مزدوجة تختلف باختلاف جنس الفاعل.
وفي هذا السياق نقول، إن الأرقام أكثر إنصافاً من الانطباعات، فإنها تقدم صورة أوضح لحجم المشكلة، فقد سجل الأردن خلال عام 2025 نحو 51,619 حالة عنف أسري، كان العنف الجسدي الشكل الأكثر شيوعاً بنسبة 63.7%، يليه العنف النفسي بنسبة 15.8%، ثم الإهمال بنسبة 10.8%، والعنف الجنسي بنسبة %9.7، كما تشير البيانات الرسمية إلى أن 79% من الضحايا من النساء، مقابل 21% من الذكور علما بأن هذا الرقم قد لا يمثل الواقع نتيجة القيود الاجتماعية على الرجل تمنعه من الاعتراف بالعنف الممارس ضده، كما أن هذه الأرقام لا تنفي معاناة الرجل، لكنها تؤكد أن النساء ما زلن الأكثر تعرضاً للعنف داخل الأسرة، وأن إنصاف الرجل لا يكون بإنكار معاناة المرأة، كما أن حماية المرأة لا تكون بتجاهل الرجل الذي يقع ضحية للعنف أو لإساءة استخدام القانون.
غير أن الضحية الأكثر غياباً عن هذا الجدل هي الطفل، فبحسب بيانات اليونيسف، تعرض نحو 75% من الأطفال في الأردن لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف منها العقابي والنفسي والجسدي، والطفل الذي يكبر في بيئة يسودها الصراخ أو الضرب أو الإهانة لا يفقد شعوره بالأمان فحسب، بل يصبح أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وضعف التحصيل الدراسي، وقد يعيد إنتاج العنف عندما يؤسس أسرته مستقبلاً، ولهذا فإن أخطر آثار العنف الأسري لا تظهر في لحظة وقوعه، بل في الأجيال التي ينشئها.
ولا شك أن إساءة استخدام القانون موجودة، سواء من رجل أو امرأة، فهناك دعاوى كيدية، واستغلال للنفقة أو الحضانة أو حق الرؤية في بعض الحالات، كما توجد حالات تهرب من النفقة أو استخدام العنف والتهديد للسيطرة على الطرف الآخر. لكن معالجة هذه التجاوزات لا تكون بإضعاف الحماية القانونية لأي طرف، وإنما بتحسين إجراءات الإثبات، وتسريع الفصل في القضايا، ومعاقبة كل من يثبت تعمده استغلال القانون للإضرار بالطرف الآخر.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي تعديل تشريعي ليس كيف ننصف الرجل؟ أو كيف نحمي المرأة؟، بل: كيف نحمي الأسرة؟ فالعنف الأسري ليس مجرد مشكلة قانونية، بل قضية نفسية واجتماعية وثقافية وتنموية، والقانون، مهما بلغت قوته، يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب، أما الوقاية الحقيقية فتبدأ ببناء ثقافة أسرية قائمة على الاحترام المتبادل، وتأهيل المقبلين على الزواج، وتعزيز مهارات التواصل وإدارة الخلاف، وتوفير خدمات الإرشاد والعلاج الأسري قبل أن تتحول المشكلات إلى عنف أو طلاق.
كما أن الوقت قد حان لإعادة توجيه النقاش من الصراع بين حقوق الرجل وحقوق المرأة إلى بناء منظومة عدالة أسرية تحقق التوازن بين حماية الضحايا، وضمان المحاكمة العادلة، ومنع إساءة استخدام القانون، وتضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبار، فالطفل ليس طرفاً في النزاع، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة انتقام أو وسيلة ضغط بين والديه.
إن المجتمع الذي يحاسب المسيء ويحمي الضحية، أياً كان جنسه، هو المجتمع القادر على بناء أسر مستقرة وأطفال أكثر أمناً، أما تحويل العنف الأسري إلى معركة بين الرجال والنساء فلن ينتج إلا مزيداً من الانقسام، وسيبعدنا عن معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة.
فالعنف الأسري لا يعرف رجلاً أو امرأة، بل يعرف ضحية وجانياً، الحقيقية لا تُقاس بمن انتصر في معركة الجنسين، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان أن يبقى البيت المكان الأكثر أمناً، لا الأكثر خوفاً.



