هل يجوز للمشرع أن يضع سقفًا يمنع القاضي من الوصول إلى التعويض الذي يراه عادلاً؟
يثار هذا التساؤل ، في معرض مناقشة مشروع قانون الملكية العقارية المعدل الذي سيعرض على مجلس الأعيان .
بداية يعتبر حق الملكية و احدا من الحقوق الدستورية الاساسية، ولذلك أحاطته كافة الدساتير و التشريعات، بضمانات قانونية تمنع المساس بهذا الحق ، فلا تمس الملكية الخاصة إلا لمنفعة عامة، ولقاء تعويض عادل .
فما هو التعويض العادل ، ومن يحدده ؟
التعويض العادل ، هو الذي يعادل القيمة الحقيقية للمال المنزوع ،و يجبر جميع الاضرار التي ترتبت على نزع الملكية ، ويعيد المتضرر إلى الحالة التي كان عليها قبل وقوع الضرر .
وتفريغا على ان حق الملكية من الحقوق الأساسية ، فان حماية هذا الحق لا بد ان تحاط بضمانات قضائية
شأنه في ذلك شان الحقوق الأساسية كالحرية الشخصية وحق التعبير ، من حيث وجوب توافر الرقابة القضائية على اي قيود تنال من هذه الحقوق .
، و عليه فلا يجوز تفويض رجل الادارة صلاحية القضاء ، من خلال افراغ الرقابة القضائية من مضمونها ، لأن حماية حق الملكية لاتتحقق إلا بولاية قضائية كاملة، تمتدإلى التحقق من عدالة التعويض
واما عبارة ( وفقا لاحكام القانون )
التي وردت في عجز المادة ١١ من الدستور تتعلق باجراءات الاستملاك
وآلياته ،دون ان تنال من المعيار الموضوعي الذي قرره المشرع الدستوري ( السعر العادل )
فحماية القضاء لهذا الحق ليست حماية شكلية ، بمعنى ، ان الادارة تقرر قيمة التعويض ، وفق إجراءتها ، و يقتصر دور القضاء على التاكد من تطبيق هذه الاجراءات ، و آلية احتسابه ، لان في ذلك تجريدا للمحاكم من صلاحيتها في تحقيق العدالة.
وان وظيفة القانون هنا في السعر العادل إجرائية وليست موضوعية: فعبارة "وفقاً لأحكام القانون" تنصرف إلى الآليات والإجراءات التنفيذية والشكليّة للاستملاك والتقدير، وليست تفويضاً للمشرع لإهدار المضمون الجوهري للحق الدستوري.
فجعل عبارة "وفقاً لأحكام القانون" حاكمة على "السعر العادل" تحول الضمانة الدستورية إلى أداة بيد المشرع لتفريغ القيد الدستوري من محتوياته، وهو ما يخالف مقاصد المشرع الدستوري في حماية الملكية الخاصة.
وهو ما يتعارض مع المادة ١٢٨ من الدستور التي نصها :
لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها."
فالتفاف مشروع قانون الملكية العقارية المتعمد ، على معيار دستوري صريح ، وهو العدالة ، يمس جوهر الحق المالي الذي نص عليه الدستور !!!!!
والدستور اراد ان يفرض القضائية لحق الملكية بحيث تكون حماية موضوعية ، تقتضي التحقق من ان التعويض هو عادل بالفعل ، لأن القاضي هو الحارس الطبيعي للحقوق، ولا يجوز تحويله إلى مُصادِق على تقديرات الإدارة
والقاعدة الأصولية ان التابع تابع، ولا يقدم التابع على إبطال المتبوع"
• و الدستور هو "الأصل والمتبوع"، والقانون العادي هو "الفرع والتابع".
• والتطبيق على حالتنا: الدستور وضع معياراً موضوعياً أصلياً وثابتاً وهو "السعر العادل"، وجعل عبارة "وفقاً لأحكام القانون" تابعةً له لغرض التنظيم الإجرائي.
• وعليه من غير الجائز أصولاً أن يُستعمل "التابع" (وهو القانون الإجرائي) لهدم أو تحييد "المتبوع" (وهو المعيار الدستوري للعدالة). فإذا جاء القانون بحذف معيار العدالة مطلقا من نصوصه "، فإنه جعل التابع مهيمناً على الأصل ومبطلاً له، وهذا انقلاب هرمي يرفضه العقل التشريعي والأصولي
ومن هنا فان مصادرة الولاية القضائية، في الرقابة ، لجعلها تقتصر على آلية احتساب السعر الاداري قابلا للزيادة بنسبة ١٠ بالمئة،او ٢٠ بالمئة كما ذهب اليه مشروع قانون الملكية العقارية المقر من مجلس النواب ، ينطوي على انتهاك واضح للضمانة الدستورية التي احيط بها حق الملكية .
فالتحقق من عدالة التعويض ، لا يتأتي عبر تقييد السلطة القضائية، بحدود مسبقة ، كالسعر الإداري ، لان هذا المعيار هو معيار استرشادي ، و ليس بالضرورة ان يكون التعويض العادل ، الذي نص عليه الدستور .
و لا بد لتحقق الضابط الدستوري ، من إطلاق يد القضاء في تحري القيمة العادلة ، دون اي قيود مسبقة عليها .
وان الادارة في سياق تقديرها للتعويض لا يجوز لها ان تحل نفسها محل السلطة القضائية صاحبة الولاية و الاختصاص ، واذا كان من صلاحية الادارة تشكيل لجان وفق اسس استرشادية لتقدير التعويض ، فانه يمتنع باي حال من الاحوال ان تكون هذه الاسس ، تقييدا على العمل القضائي، الذي يدخل ضمن ولايته واختصاصه حماية الحقوق الأساسية من اي تغول تمارسه الادارة او السلطة التشريعة .
وهذا ما تؤكده نصوص قانون الملكية العقارية الحالي ، بعدم جواز انتزاع الملكية إلا لقاء تعويض عادل ، لايقل عن القيمة التقديرية .
و النص المقترح في المشروع قد قلب الآية ، بحيث لا يتجاوز التعويض السعر المعتمد بهامش ٢٠ بالمائة !!؟؟
ان صون الحقوق الدستورية ، الأساسية و من ضمنها حق الملكية ،
هو واجب على كافة السلطات ، وان اي انتهاك لهذه الحقوق ، و لو تم بصورة قانون ، يبقى انتهاكا ، ينال من الحقوق المشروعة، وسيكون محلا للطعن بعدم دستوريته.



