ماذا لو قررت الجامعات الأردنية أن تجعل الجغرافيا جزءاً من المنهاج، لا مجرد مادة تُدرّس في الكتب؟
هذا السؤال قادني إلى التفكير بجامعة مؤتة تحديداً. فهذه الجامعة تقع في قلب منطقة تختزن ثروات وطنية وصناعات استراتيجية، ومع ذلك قد يتخرج كثير من طلبة الهندسة دون أن يعرفوا كيف يُنتج البوتاس، أو كيف يُستخرج الفوسفات، أو كيف تُصنع مشتقات البرومين، أو كيف يتحول الصخر الزيتي كمصدر ومستقبل لطاقة الأردن، أو حتى كيف تُدار مصانع الإسمنت هذا البحر النائم شرق الشريان الصحراوي.
لماذا لا يُطرح مساق جامعي عام في كلية الهندسة لطلبة السنوات الأخيرة وقد قطعوا شوطا في فهم الهندسة، ولتكن ست ساعات معتمدة، يحمل اسم “الهندسة المكانية”؟ مساق لا يهدف إلى تخريج متخصص في التعدين أو الكيمياء، وإنما إلى تعريف طالب الهندسة بالهوية الصناعية والاقتصادية للمكان الذي يعيش ويدرس فيه.
يمكن أن يشارك في تدريس هذا المساق مهندسون من الشركات الوطنية الكبرى وكجزء من دعمهم المجتمع المحلي، فيشرحون للطلبة رحلة المنتج منذ استخراج المادة الخام، مروراً بالعمليات الهندسية والإنتاجية، وصولاً إلى الطاقة والمشاريع والصيانة والسلامة والبيئة وسلاسل الإمداد. تعليم يخرج من قاعة المحاضرات إلى الواقع، ويجعل الطالب يرى الصناعة بعينيه قبل أن يقرأها في كتاب.
الفكرة لا تخص مؤتة وحدها، بل يمكن أن تتحول إلى فلسفة تعليمية أردنية.
في العقبة، يمكن أن يتعرف الطلبة على الموانئ، والخدمات اللوجستية، والنقل البحري، والتحلية، والتعدين. وفي الطفيلة، يكون التركيز على التعدين والطاقة المتجددة. وفي إربد، على الصناعات الدوائية والتكنولوجيا والزراعة الحديثة. وفي الزرقاء، على الصناعات التحويلية والطاقة. ولكل محافظة قصتها الاقتصادية التي تستحق أن تصبح جزءاً من هوية جامعاتها.
إن صبغ الجامعات بصبغة محيطها الجغرافي لن يربط التعليم بسوق العمل فحسب، بل سيمنح أبناء كل منطقة فهماً أعمق للكنوز التي تحتضنها محافظاتهم، ويخلق جيلاً يشعر بأن التنمية ليست خبراً يقرأه، بل مشروعاً يمكن أن يكون جزءاً منه. وفي نفس المساق سيختصر هذا النهج على الشركات الوطنية سنواتٍ من التعريف والتأهيل، لأنها ستستقبل خريجين يعرفون صناعات وطنهم قبل أن تطأ أقدامهم مواقع العمل وهذا سيوفر على هذه الشركات وقتاً في إيجاد العمالة اللازمة ومُدد تأهيلها.
الأردن لا تنقصه الثروات، ولا تنقصه العقول، لكنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن يُربط بينهما. فالجامعة ليست مبنى يمنح شهادة، بل مؤسسة تبني الإنسان، والإنسان لا يُبنى بعيدًا عن أرضه، ولا عن هوية وطنه
ربما لا يحتاج الأمر إلى إنشاء كليات جديدة أو إنفاق موازنات ضخمة، بل إلى إعادة التفكير في سؤال بسيط:
هل نريد جامعة تدرّس في المكان… أم جامعة تتعلّم من المكان أيضاً.
أتعلمون هناك الكثير لنغيره، لكن كأنه الصدا لا يلقى أبد ردا.



