خبرني - منذ ظهورها، واصلت التكنولوجيا إدهاش العالم بابتكاراتها المتسارعة، مقدمة حلولا غير مسبوقة عززت قدرات الإنسان، ووفرت الوقت والجهد، وفتحت آفاقا جديدة للإبداع والعمل والتواصل والإنتاج في مختلف المجالات.
ومع اتساع حضورها، لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات متطورة، بل أصبحت قوة تقود مسيرة التطور في مختلف القطاعات، وترسم ملامح المستقبل، وتعيد تشكيل أنماط الحياة والاقتصاد والعلوم بوتيرة متسارعة.
ورغم أن عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون مشهورون بسباقهم الحثيث والساخن نحو تطوير ذكاء اصطناعي بقدرات ومميزات متنوعة، إلا أن شغفهم بالتكنولوجيا دفعهم لإقحامها في النطاق البيولوجي، في شكل شركات تعمل على تطوير الأجنة وتصميمها ومحاربة الشيخوخة وتحميل العقول على الحاسبات أو ما يعرف ب"حوسبة الوعي".
تصميم الأجنة
أما الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، سام ألتمان، فقد قام بتمويل شركة ناشئة تُدعى Preventive، تعمل على تطوير تقنيات لتحرير جينات الأجنة بهدف الوقاية من الأمراض الوراثية قبل الولادة. وتُعد هذه المبادرة من أكثر المشاريع إثارةً للجدل في مجال التكنولوجيا الحيوية، لما تطرحه من أسئلة علمية وأخلاقية وقانونية معقدة.
ووفقا لتقرير نشرته مجلة "ذا تايمز" البريطانية، فقد نجحت الشركة في جمع نحو 30 مليون دولار من مستثمرين بارزين، من بينهم أيضًا براين أرمسترونغ، الرئيس التنفيذي لشركة Coinbase.
وتؤكد الشركة أن هدفها الأساسي هو الحد من الأمراض الوراثية الخطيرة التي تصيب ملايين الأشخاص حول العالم، عبر استخدام تقنيات تعديل الجينات في المراحل المبكرة من تكوين الجنين، معتبرة أن هذه التقنية قد تمثل مستقبلًا أحد أهم الإنجازات الطبية إذا ثبتت سلامتها وفعاليتها.
في المقابل، يثير المشروع انتقادات واسعة من علماء وأخلاقيين، إذ يخشون أن يؤدي تطوير هذه التكنولوجيا إلى الانتقال من علاج الأمراض إلى اختيار الصفات الوراثية للأجنة، مثل الذكاء أو الطول أو المظهر، بما يفتح الباب أمام ما يُعرف بـ"الأطفال المصممين وراثيًا".
كما يشير منتقدون إلى أن تعديل الجينات الموروثة لا يؤثر في الطفل وحده، بل يمكن أن ينتقل إلى الأجيال اللاحقة، ما يجعل أي أخطاء أو آثار جانبية ذات تبعات دائمة.
محاربة الشيخوخة
لكن تعديل الأجنة وراثيا لم يكن الهم الوحيد لألتمان، فقد كشفت تقارير عن اهتمامه بمشروعات محاربة الشيخوخة وكما وصفها تقرير نشره معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا "مشروعات تأخير الموت".
ووفقا للتقرير، فقد قدم ألتمان دعما كبيرا لشركة Retro Biosciences، التي تسعى إلى تطوير تقنيات قادرة على إبطاء الشيخوخة البيولوجية أو عكس بعض آثارها عبر الدمج بين الذكاء الاصطناعي وأبحاث البيولوجيا المتقدمة. ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره أحد أكثر رهانات ألتمان طموحًا خارج قطاع الذكاء الاصطناعي.
واستثمر ألتمان نحو 180 مليون دولار من أمواله الخاصة في المراحل الأولى للشركة، قبل أن يشارك في جولة تمويل لاحقة رفعت قيمة الشركة إلى مليارات الدولارات.
ويستند المشروع إلى مجال بحثي يُعرف بـ"إعادة البرمجة الخلوية الجزئية"، الذي يهدف إلى إعادة الخلايا المسنة إلى حالة بيولوجية أكثر شبابًا دون تحويلها بالكامل إلى خلايا جذعية، وهي خطوة قد تساعد مستقبلًا في الحد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، مثل الزهايمر وأمراض القلب والسرطان.
ويتميز مشروع Retro Biosciences باعتماده على الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات العلمية.
فقد طورت OpenAI نموذجًا متخصصًا يسمى GPT-4b micro لمساعدة الباحثين في تصميم البروتينات المرتبطة بإعادة البرمجة الخلوية.
وأسهم النموذج في تسريع التجارب واقتراح تصميمات بروتينية جديدة، ما قد يقلص الزمن اللازم للأبحاث من أسابيع إلى فترات أقصر، ويزيد فرص الوصول إلى علاجات مبتكرة.
ويرى باحثون أن دمج الذكاء الاصطناعي مع علوم الأحياء قد يغير مستقبل الطب، إذ يمكن استخدام النماذج الذكية لتحليل كميات هائلة من البيانات البيولوجية، وتسريع اكتشاف الأدوية، وفهم آليات الأمراض المعقدة.

ومع ذلك، يواجه ذلك انتقادات حيث يرى البعض أن مليارات الدولارات قد تحقق أثرًا صحيًا أكبر إذا وُجهت إلى الوقاية من الأمراض المزمنة، وتحسين أنماط الحياة، وتطوير الرعاية الصحية الأساسية، بدل السعي إلى تأخير الشيخوخة نفسها.
كما أن بعض الأبحاث تعتمد على إعادة برمجة الخلايا، وهي تقنية قد تنطوي على مخاطر، منها تحفيز نمو الخلايا بصورة غير طبيعية أو زيادة احتمالات الإصابة بالأورام إذا لم تُضبط بدقة.
ومن ناحية أخرى، يخشى منتقدون من أن تقتصر هذه العلاجات، إذا نجحت، على الأثرياء في البداية بسبب تكلفتها المرتفعة، ما قد يوسع الفجوة الصحية بين الفئات الاجتماعية.
كما يثير المشروع أيضًا نقاشات حول تأثير إطالة العمر على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والموارد الطبيعية، وما إذا كان ينبغي أن يكون الهدف إطالة سنوات الحياة أم تحسين جودة الحياة والصحة.
حوسبة الوعي
أما أبرز المشاركين الأخرين في سباق دمج الذكاء الاصطناعي بالنطاق البيولوجي فهو إيلون ماسك، المؤسس المشارك وأحد الممولين الرئيسيين لشركة Neuralink، التي أسسها عام 2016 مع مجموعة من علماء الأعصاب والمهندسين ورواد الأعمال.
ووفقا للموقع الإلكتروني للشركة، فإن واجهة الدماغ والحاسوب التي طورتها نيورالينك تحول الإشارات العصبية إلى أوامر قابلة للتنفيذ.
وفي التجارب السريرية، يستخدم المشاركون أجهزة نيورالينك للتحكم في أجهزة الكمبيوتر والأذرع الروبوتية بمجرد التفكير. وتهدف هذه التقنية إلى استعادة قدر أكبر من الاستقلالية للأشخاص الذين يعانون من حالات طبية لم تتوفر لها حلول علاجية كافية، كما تسعى إلى فتح آفاق جديدة للإمكانات البشرية.

ووفقا لتقارير أخيرة، فقد شهدت شركة نيورالينك، تصاعدا كبيرا في اهتمام المستثمرين، إذ تشير تداولات السوق الثانوي إلى أن قيمتها قد بلغت نحو 42 مليار دولار، مقارنة بتقييم بلغ نحو 9 مليارات دولار قبل عام، مع تقديم بعض المستثمرين عروضًا تعكس تقييمات أعلى من ذلك.
ويعكس هذا الارتفاع الثقة المتزايدة في إمكانات الشركة، خاصة بعد توسيع تجاربها السريرية على البشر.
وفي الوقت نفسه، يواصل ماسك الترويج لمشروع Blindsight، وهو شريحة دماغية تجريبية تهدف إلى استعادة البصر لدى الأشخاص الذين فقدوه، بل ويقول إنها قد تساعد مستقبلًا حتى من وُلدوا مكفوفين، عبر تحفيز القشرة البصرية مباشرة لتجاوز الأعصاب البصرية التالفة.
ورغم أن هذه الوعود لا تزال بحاجة إلى إثباتها في التجارب السريرية، فإن المشروع حصل على تصنيف "جهاز اختراقي" من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، بما قد يسرّع عملية تطويره ومراجعته التنظيمية.
ويجمع المشروع بين طموحات طبية كبيرة وآمال في تحسين حياة المصابين بالشلل أو فقدان البصر، لكنه يواجه أيضًا تحديات علمية وتنظيمية، إلى جانب دعوات من خبراء إلى التعامل بحذر مع التصريحات المتفائلة إلى حين إثبات سلامة التقنية وفعاليتها على نطاق واسع.



