*
الثلاثاء: 04 أغسطس 2026
  • 04 أغسطس 2026
  • 15:20
قراءة تخطيطية في بدائل سكة حديد غور الصافيالعقبة
مخطط توضيحي لمقترح الدكتور الكلالدة

الدكتور المهندس مراد الكلالده/ مستشار العمارة والتصميم الحضري
خبرني - يُعد مشروع السكك الحديدية الأردني–الإماراتي من أهم مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية التي يجري تطويرها في المملكة، لما يتوقع أن يحققه من تخفيض لكلف نقل الفوسفات والبوتاس، وتعزيز تنافسية الصناعات التعدينية، وربط مناطق الإنتاج بميناء العقبة، ورفع كفاءة منظومة النقل واللوجستيات الوطنية.
ولا يدور النقاش هنا حول أهمية المشروع أو الحاجة إليه؛ فالأردن يحتاج منذ زمن إلى شبكة حديثة لنقل البضائع بالسكك الحديدية. وإنما يتعلق السؤال المطروح باختيار المسار والوسيلة الأنسب لنقل البوتاس من غور الصافي إلى العقبة، وما إذا كان من المجدي إعادة دراسة البديل الذي اقترحته سابقاً مجموعة من الشركات اليابانية، مستفيدة من تجربة لوجستية مطبقة في بيئة جغرافية مشابهة على الجانب الآخر من البحر الميت.
•    تجربة لوجستية في بيئة جغرافية مشابهة
تقع منشآت إنتاج البوتاس على البحر الميت عند منسوب يقارب 400 متر تحت مستوى سطح البحر، وهو ما يفرض تحدياً هندسياً عند ربطها بشبكة السكك الحديدية الواقعة فوق الهضبة.
ولمعالجة هذا التحدي، طُبّق نظام نقل متعدد الوسائط يعتمد على مرحلتين رئيسيتين:
1.    نقل البوتاس من منطقة الإنتاج بواسطة سير ناقل يصعد من حوض البحر الميت إلى محطة تحميل تقع فوق الهضبة.
2.    تحميل المنتج بعد ذلك على القطارات ونقله عبر الشبكة الحديدية إلى موانئ التصدير على البحر الأبيض المتوسط.
ولا تكمن أهمية هذا النموذج في استخدام السير الناقل بحد ذاته، وإنما في الفصل بين وظيفتين مختلفتين: استخدام وسيلة مناسبة لتجاوز الحافة الجبلية والانحدارات الشديدة، ثم استخدام السكك الحديدية للنقل لمسافات طويلة على تضاريس أكثر ملاءمة.
ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى التجربة بوصفها نموذجاً سياسياً أو دعوة إلى التقليد، وإنما باعتبارها تجربة لوجستية ناجحة في بيئة طبوغرافية متشابهة تستحق الدراسة من زاوية هندسية واقتصادية وبيئية.
•    المقترح الياباني للأردن
أشارت إحدى الدراسات اليابانية الخاصة بتطوير قطاع النقل في الأردن Data Collection Survey on Trade and Logistics in Jordan, Palestine and Region, May 2018  إلى أن شركة البوتاس العربية كانت قد أعدت دراسة جدوى أولية لإنشاء خط سكة حديد جديد لنقل البوتاس إلى العقبة.
وفي المقابل، اقترحت مجموعة أعمال يابانية خاصة بديلاً يجمع بين:
•    سير ناقل يمتد من مواقع إنتاج البوتاس في غور الصافي إلى ما بعد الحافة الجبلية باتجاه هضبة الكرك؛
•    محطة لتحميل البوتاس على القطارات؛
•    فرع حديدي قصير يربط محطة التحميل بالخط الرئيس؛
•    دمج حركة نقل البوتاس مع حركة نقل الفوسفات على خط مشترك يصل إلى العقبة.
وتقوم الفكرة على تجنب إنشاء خط حديدي مستقل طويل من غور الصافي عبر فيفا ووادي عربة وصولاً إلى العقبة، والاستعاضة عنه بممر أقصر يصعد إلى الهضبة، ثم الاستفادة من خط حديدي رئيس يجمع البوتاس والفوسفات في مسار واحد.
ويبدو أن جوهر المقترح لم يكن معالجة فرق المنسوب بين غور الصافي والعقبة فقط؛ فهذا الفرق موزع على مسافة طويلة، ولا يمثل وحده المشكلة الكبرى. التحدي الحقيقي هو تجاوز حافة الانهدام ذات الانحدارات الشديدة والوصول من قاع الغور إلى الهضبة بطريقة تشغيلية واقتصادية مناسبة.
•    لماذا قد يكون السير الناقل مناسباً لهذا الجزء؟
السكة الحديدية الثقيلة تحتاج إلى ميول طولية محدودة، خصوصاً عندما تكون مخصصة لنقل أحمال معدنية كبيرة. وللتغلب على فرق ارتفاع كبير بواسطة القطار، قد يلزم إنشاء مسار طويل ومتعرج، مع قطوع وردميات وجسور وأنفاق ومنحنيات واسعة.
أما السير الناقل فيستطيع التعامل مع ميول أعلى نسبياً، ويمكن تصميمه لعبور الجزء الجبلي الصعب ضمن مسار أقصر، ثم تسليم البوتاس إلى محطة قطار تقع على الهضبة.
وقد يحقق هذا الحل عدداً من المزايا:
•    تقليل طول السكة الجديدة اللازمة لنقل البوتاس.
•    تجنب إنشاء خط حديدي طويل بمحاذاة غور الصافي وفيفا ووادي عربة.
•    تقليل الاستملاكات الواقعة على الأراضي الزراعية والمملوكة ملكية خاصة.
•    تخفيض عدد القطع التي قد تتعرض للتجزئة أو الفصل بين جانبيها.
•    تجنب بعض مناطق السيول والانهيارات الأرضية والترب الملحية.
•    دمج نقل البوتاس والفوسفات في ممر حديدي واحد باتجاه العقبة.
•    رفع كفاءة استخدام الخط الرئيس وتحسين جدواه الاقتصادية.
•    تقليل الاستملاكات والنزاعات الاجتماعية
لا يقتصر تقييم مسارات البنية التحتية على كلفة الإنشاء والتشغيل؛ فهناك أيضاً كلفة اجتماعية وقانونية ومكانية.
يمر المسار المباشر المفترض بين غور الصافي والعقبة عبر مناطق زراعية وسكنية وحيازات خاصة، وقد يؤدي إلى:
•    استملاك مساحات كبيرة من الأراضي؛
•    تقسيم المزارع إلى أجزاء منفصلة؛
•    تقييد الوصول بين جانبي الأرض؛
•    فرض حرم أمني وتشغيلي دائم؛
•    انخفاض قيمة الأجزاء المتبقية؛
•    نشوء اعتراضات شعبية ودعاوى قضائية طويلة.
أما إذا أمكن رفع البوتاس إلى الهضبة بواسطة سير ناقل ضمن ممر مدروس، ثم نقله بقطار مشترك مع الفوسفات، فقد يؤدي ذلك إلى خفض طول المسار الواقع داخل الأراضي الزراعية في غور الصافي وفيفا ووادي عربة، وتقليل عدد المالكين المتأثرين.
لكن هذا لا يعني أن السير الناقل لا يحتاج إلى استملاك أو حقوق مرور. فهو أيضاً مرفق بنية تحتية يتطلب ممراً ومحطات تشغيل وصيانة. غير أن عرضه وطوله وآثاره المحتملة قد تكون أقل من خط حديدي مستقل يمتد عشرات أو مئات الكيلومترات، وهو ما يستحق المقارنة الموضوعية.
•    مقارنة البدائل قبل تثبيت المسار
لا يمكن الجزم بأن البديل الياباني أفضل من المشروع الجاري دون دراسة حديثة ومتكاملة. فقد تكون هناك اعتبارات تشغيلية أو استثمارية أو فنية دفعت إلى اختيار خط حديدي مباشر من غور الصافي إلى العقبة.
لكن القرار الرشيد يقتضي إجراء مقارنة شفافة بين بديلين على الأقل:
البديل الأول: السكة المباشرة
غور الصافي – فيفا – وادي عربة – العقبة.
البديل الثاني: النقل متعدد الوسائط
غور الصافي – سير ناقل إلى الهضبة – محطة تحميل – فرع حديدي – خط رئيس مشترك مع الفوسفات – العقبة.
وينبغي ألا تقتصر المقارنة على كلفة الإنشاء، بل تشمل أيضاً:
•    كلفة التشغيل والطاقة والصيانة؛
•    طول الممرات الجديدة؛
•    حجم الاستملاكات؛
•    عدد المالكين المتأثرين؛
•    الأثر الزراعي والاجتماعي؛
•    مخاطر السيول والانهيارات والتربة؛
•    القدرة الاستيعابية والتوسع المستقبلي؛
•    أمن الإمداد واستمرارية التشغيل؛
•    الانبعاثات والأثر البيئي؛
•    مدة التنفيذ؛
•    المرونة في نقل مواد وبضائع أخرى مستقبلاً.
•    الحاجة إلى تخطيط وطني لممرات البنية التحتية
تكشف هذه القضية مجدداً الحاجة إلى إصدار قانون حديث للتخطيط والتنظيم العمراني، يحدد على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية ممرات السكك الحديدية والطرق وخطوط المياه والطاقة والغاز والصرف الصحي وغيرها من البنى التحتية.
فالمطلوب ليس معالجة كل مشروع من خلال تعديل تعريف قانوني منفصل، وإنما إعداد مخططات وطنية وإقليمية وهيكلية وتفصيلية مصدقة، مدعومة بخرائط رقمية تفاعلية توضح للمالك والمستثمر والجهة الرسمية:
•    موقع الممر؛
•    عرضه؛
•    طبيعة الاستعمال؛
•    حدود الحرم؛
•    الأراضي المتأثرة؛
•    آلية الاستملاك أو حقوق الارتفاق؛
•    قواعد التعويض عن الأرض والضرر الواقع على الأجزاء المتبقية.
إن التخطيط المسبق والشفاف يقلل النزاعات، ويرفع ثقة المواطنين، ويمنع تضارب المشروعات، ويتيح للدولة حجز الممرات الاستراتيجية قبل ارتفاع قيم الأراضي أو انتشار العمران العشوائي حولها.
•    الخلاصة
لا ينبغي اختزال النقاش في المفاضلة بين سكة حديد وسير ناقل، وإنما يجب النظر إلى المشروع باعتباره منظومة نقل متكاملة ينبغي اختيار مكوناتها ومساراتها بناء على أفضل توازن ممكن بين الكلفة والكفاءة والبيئة والعدالة الاجتماعية.
وقد يكون إنشاء خط سكة حديد مباشر من غور الصافي إلى العقبة هو البديل الأنسب، وقد يكون الجمع بين سير ناقل إلى الهضبة وخط حديدي مشترك مع الفوسفات أكثر جدوى. لكن لا يجوز تثبيت أحد البدائل قبل نشر المقارنة الفنية والاقتصادية والاجتماعية التي تبرر اختياره.
إن الاستفادة من تجربة لوجستية ناجحة في بيئة جغرافية مشابهة لا تعني استنساخها، بل تعني إخضاعها للدراسة والاستفادة من دروسها. والمقترح الياباني القديم يقدم بديلاً يستحق إعادة التقييم، خصوصاً إذا كان قادراً على تقليل المرور في أراضي غور الصافي وفيفا ووادي عربة، وتخفيض الاستملاكات والنزاعات، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي الأهم: نقل البوتاس والفوسفات بكفاءة وأمان إلى ميناء العقبة.
كما يجب ان يكون للحكومة رأي في تحديد مسار مشروع سكة الحديد الاماراتية- الاردنية، لفرض تشغيل ميناء معان البري كنقطة وصل بين خطي البوتاس والفوسفات، بما يؤسس لتوسيع الشبكة باتجاه الماضونة شمالاً لكي يصبح لدينا شبكة سكة حديد وطنية.

مواضيع قد تعجبك