*
الثلاثاء: 21 تموز 2026
  • 20 تموز 2026
  • 12:35
ميسي لم تهزمه إسبانيا هزمه الزمن
الكاتب: عماد داود

الكؤوس تصدأ. الأساطير لا تصدأ أبداً!
الليلة الماضية، خسر رجل واحد آخر معركة في حرب طويلة لم يخسرها قط: حربه ضد النسيان!
ليونيل ميسي لم يقف أمام إسبانيا وحدها. وقف أمام خصم لا يُهزم أحد، مهما بلغت عبقريته: الزمن نفسه. وحين تصافحا في الدقيقة الأخيرة، كان واضحاً من خسر الجولة، لكن كان واضحاً أيضاً من ربح الحرب!
في التاسعة والثلاثين، يتقاعد أغلب اللاعبين على مقاعد التعليق، يتحدثون عن أمجاد انتهت. ميسي، في التاسعة والثلاثين، كان لا يزال يركض في العمق، يطارد كرات لا يطاردها إلا من يرفض أن يصدق أن الزمن انتهى.
لم يتراجع. لم يبحث عن مخرج مريح. لعب حتى آخر ثانية، كأن الكأس التي ربحها قبل سنوات ما زالت ممكنة الليلة، وكأن الجسد الذي أنهكته عقود من المجد لم يسمع بعد بخبر التقاعد!
هذا الرجل لا يحتاج شهادة من أحد. رقم قياسي بعد آخر، وبطولة بعد أخرى، جعلت كل نقاش جاد حول "الأعظم في التاريخ" يبدأ باسمه، ولا ينتهي دونه!
لكن العظمة الحقيقية ليست في الأرقام. هي في قدرة رجل على أن يمنح كل من حوله شيئاً لن يستعيده هو أبداً: طفولتهم الكروية، حماسهم الأول، سنوات لا تعوض. يدخل المباراة حاملاً أحلام الملايين، ويخرج منها وقد منح أكثر مما أخذ؛ ينقص من رصيده في الزمن، ويزيد في رصيده في الذاكرة.
ملايين شاهدوه الليلة يقف وسط الملعب، بعد الصافرة الأخيرة، محاطاً بخصوم ورفاق في آن واحد، يصفقون له تصفيقاً لا يُمنح للخاسرين عادة. هذا ليس تعاطفاً. هذا اعتراف نادر بأن بعض الرجال يكبرون على مقاييس الفوز والخسارة نفسها.
فالنتائج تصنع الأبطال، أما الذاكرة فتصنع الأساطير.
يستطيع الزمن أن يسرق السرعة، ويستطيع أن يثقل الخطوات، ويستطيع أن يجعل المرآة تكشف ما لا نريد رؤيته. لكنه لا يستطيع أن يأخذ الذكرى.
وحين يعجز الإنسان عن هزيمة الزمن، يكفيه أن يترك للتاريخ سبباً يعجز الزمن عن محوه.
فليكتب سجل البطولات أن إسبانيا رفعت الكأس. لن يغير هذا حرفاً واحداً في الحقيقة الأكبر: أن جيلاً كاملاً من عشاق كرة القدم عاش عصراً ذهبياً بفضل قدمي رجل واحد، وسيظل هذا العصر علامة فارقة في ذاكرة اللعبة.
وميسي لم يخسر لقباً الليلة. كل ما حدث أن الزمن أغلق الصفحة الأخيرة من أجمل فصول اللعبة، بينما بقي الاسم مفتوحاً في ذاكرة العالم، حاضراً، لا يُغلق أبداً!
 

مواضيع قد تعجبك