انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي صورٌ لإعلانات قيل إنها منشورة على تطبيق "فينتد"، تظهر فيها دمى وألعاب ومستلزمات أطفال معروضة بأسعار تصل إلى آلاف اليوروهات. لكن بعض المستخدمين لم يروا فيها مجرد إعلانات بأسعار خيالية، بل دليلاً محتملاً على شبكة تستخدم المنصة للاتجار بالأطفال. فما حقيقة هذه المزاعم؟
فينتد هي منصة إلكترونية لبيع وشراء الملابس والأغراض المستعملة، تتيح للمستخدمين نشر إعلاناتهم والتواصل مع المشترين مباشرة. انطلقت في ليتوانيا عام 2008، وتعمل اليوم في عدد من الدول الأوروبية، ويستخدمها ملايين الأشخاص لبيع وشراء السلع المستعملة.
استندت هذه المزاعم إلى ما وصفه ناشروها بـ"الرموز المريبة" في هذه الإعلانات، من بينها إشارات إلى العمر والطول والجنس، وكلمات مثل "صغير" و"مطيع" و"عذراء". واعتبر البعض أن المنتجات والأسعار الظاهرة تشير في الحقيقة إلى إعلانات بيع أطفال.
حققت بعض المقاطع والمنشورات التي روجت لهذه الرواية ملايين المشاهدات، وانتقلت من حسابات ناطقة بالفرنسية والألمانية إلى محتوى باللغة الإنجليزية والعربية.
لكن فريق بي بي سي لتقصي الحقائق تتبع الأدلة المتداولة ليتبيّن وجود فجوة كبيرة بين ما تظهره الصور والاستنتاجات التي بُنيت عليها.
هل تشير خانة "العمر" إلى طفل؟
ركزت بعض المنشورات على ظهور أعمار محددة إلى جانب ألعاب ودمى، وقيل إنّها قدمت ذلك على أنه "أحد أبرز الأدلة على أن الإعلان لا يتعلق بمنتج، بل بطفل".
لكن شركة "فينتد" أوضحت على موقعها الإلكتروني أن "العمر الظاهر في هذه الإعلانات يشير إلى الفئة العمرية التي صُممت اللعبة لها، تماماً كما هو الحال مع الملصق العمري الموجود على عبوة اللعبة، لا إلى أطفال".
الأمر نفسه ينطبق على القياسات أو الطول الظاهرين في بعض الصور؛ إذ قد تشير إلى حجم الدمية أو اللعبة أو قطعة الملابس المعروضة للبيع.
أما الكلمات التي وصفها مستخدمون بأنها "شيفرات"، فمن الصعب تقييمها من دون الاطلاع على الإعلان الأصلي بلغته الكاملة وتصنيف المنتج والسياق الذي استخدمت فيه.
ولم يتمكن فريق بي بي سي لتقصي الحقائق من التأكد من صحة هذه الإعلانات.
صور "بلا روابط أصلية"
بدأنا بفحص الصور والمنشورات التي استخدمت لإثبات الادعاءات المتداولة.
في معظم الحالات، لم تتضمن المنشورات روابط مباشرة للإعلانات الأصلية على "فينتد"، بل صوراً معزولة أعيد تداولها بين حسابات مختلفة، أحياناً بعد أقل من دقيقة من وقت نشر الإعلان.
ظهرت بعض الصور نفسها في منشورات بلغات متعددة، لكن مع روايات مختلفة.
في كل مرة، كانت تضاف تفسيرات جديدة بشأن السعر أو الكلمات الظاهرة في الإعلان، دون تقديم معلومات عن الحساب الذي نشره أو تاريخ إنشائه أو البلد الذي ظهر فيه.
غياب الرابط الأصلي لا يعني بالضرورة أن الإعلان لم يكن موجوداً؛ فقد يكون قد حُذف من قبل البائع أو أزيل من المنصة، ما يجعل من الصعب التحقق من أن الصورة الأصلية لم تخضع لتعديلات أو أن تفاصيل الإعلان لم تُقتطع من سياقها.
بحثنا عن عدد من الإعلانات باستخدام أسماء المنتجات والكلمات الظاهرة في الصور، كما أجرينا بحثاً عكسياً عن الصور لمحاولة الوصول إلى نسخ أقدم منها أو تحديد مصدرها الأول.
لكننا لم نتمكن من العثور على عدد من الإعلانات المتداولة أو التحقق منها بصورة مستقلة.
ولم نجد في المنشورات التي فحصناها أدلة تثبت أن ناشريها تواصلوا مع البائعين أو تحققوا من هويات أصحاب الحسابات أو حصلوا على معلومات عن عملية بيع حقيقية.
لماذا كانت الأسعار مرتفعة إلى هذا الحد؟
كانت الأسعار غير المعتادة من أبرز العناصر التي غذت الشكوك.
فقد ظهرت في بعض لقطات الشاشة ألعاب ودمى مستعملة معروضة بآلاف، وأحياناً بعشرات آلاف اليوروهات. لكن السعر المرتفع، مهما بدا غير منطقي، لا يُثبت وحده وجود نشاط إجرامي.
يمكن للمستخدمين على منصات البيع تحديد السعر الذي يرغبون فيه، حتى وإن كان مبالغاً فيه. وقد يكون السعر نتيجة خطأ، أو محاولة لجذب الانتباه، أو وسيلة لمنع شراء المنتج مؤقتاً، أو جزءاً من تفاوض يجري خارج السعر المعلن.
كما أن بعض الألعاب والمقتنيات النادرة قد تُعرض بالفعل بأسعار مرتفعة، وإن كان ذلك لا ينطبق بالضرورة على جميع الصور المتداولة.
وقالت "فينتد" أيضاً إن بعض الإعلانات قد تكون أنشئت من قبل مستخدمين يحاولون إجراء "تحقيقات" بأنفسهم أو اختبار ردود فعل بائعين أو مشترين مشتبه بهم.
ماذا تقول التحقيقات الرسمية؟
بدأت السلطات في فرنسا وألمانيا فحص بعض المنشورات والإعلانات المتداولة المرتبطة بالمنصة.
لكن فتح تحقيق لا يعني أن المزاعم قد ثبتت، وإنما أن السلطات تراجع البلاغات وتحاول تحديد ما إذا كانت هناك أدلة تستدعي اتخاذ إجراءات إضافية.
وقالت الشرطة الألمانية إنه لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة على وقوع حالات فعلية للاتجار بالأطفال عبر "فينتد".
أما الشركة، فقالت إنها أجرت مراجعة داخلية ولم تعثر على دليل يربط الإعلانات المزعومة بعمليات "اتجار بالأطفال".
وأضافت أنها تعتقد أن بعض المنشورات قد تندرج ضمن "محتوى مضلل" أو "مواد صُممت لإثارة الخوف" بهدف تحقيق انتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكدت "فينتد" أنها تتعاون مع السلطات المختصة في التحقيقات الجارية، وأنها تزيل الإعلانات التي تنتهك قواعدها وتتخذ إجراءات بحق الحسابات المرتبطة بها.
ولا يكفي رد الشركة وحده لنفي أي مخالفة محتملة، كما لا تكفي لقطات الشاشة لإثبات وقوعها. ويبقى تحديد ما إذا كانت جريمة قد ارتُكبت من اختصاص السلطات التي تستطيع الوصول إلى بيانات الحسابات والاتصالات والمعاملات المالية.
نمط متكرر من نظريات المؤامرة
ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها إعلانات غريبة أو أسعار مرتفعة على منصات التجارة الإلكترونية إلى مزاعم عن الاتجار بالأطفال.
انتشرت ادعاءات مشابهة مرتبطة بـ"فينتد" في فرنسا عام 2023، كما تعرضت منصات أخرى، من بينها "وايفير" و"إتسي"، لروايات مماثلة في السابق.
وغالباً ما تبدأ هذه المزاعم بمعلومة حقيقية لكن غامضة: إعلان بسعر غير منطقي، أو اسم منتج غير مألوف، أو وصف يحتمل أكثر من تفسير. ثم تُربط هذه العناصر ببعضها لتكوين رواية أكبر، دون وجود أدلة تثبت العلاقة بينها.
ومع إعادة النشر، قد تتحول صيغة التشكيك، مثل "هل يمكن أن يكون هذا مريباً؟"، إلى اتهام أكثر جزماً بأن الإعلان يثبت وجود شبكة إجرامية.
وتسهم طبيعة الاتهام نفسه في سرعة انتشاره، فالمحتوى المرتبط بإيذاء الأطفال يُثير استجابة عاطفية قوية، ويشجّع المستخدمين على مشاركته للتحذير، حتى قبل التأكد من مصدره أو صحته.
لكن الانتشار الواسع لا يمثل دليلاً، كما أن تكرار الادعاء عبر مئات الحسابات لا يعني وجود مئات المصادر المختلفة؛ فقد تعود جميع المنشورات في النهاية إلى عدد محدود من لقطات الشاشة نفسها.
كيف يُثبت الاتجار بالأطفال؟
إثبات جريمة بهذا الحجم يحتاج إلى أكثر من كلمات غامضة في الإعلان أو أسعار مرتفعة.
عادة ما تبحث التحقيقات في هوية أصحاب الحسابات وعناوين الاتصال وسجلات المحادثات ووسائل الدفع والعلاقات بين البائعين والمشترين وما إذا كان هناك طفل أو ضحية يمكن تحديد هويتها.
ولا تظهر أي من هذه العناصر في لقطات الشاشة التي راجعناها.
وقال المتحدث باسم اليونيسف، جو إنغلش: "وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف الأطفال الذين يتعرضون للاتجار داخل بلدانهم يكون الجاني في معظم الحالات شخصاً تعرفه الأسرة وتثق به، وليس شخصاً غريباً ينشر إعلاناً مشفراً على الإنترنت".
ولا يعني ذلك أن المنصات الرقمية لا يمكن أن تُستغل في جرائم الاتجار بالبشر، أو أن المحتوى المريب يجب تجاهله. لكن الاشتباه ينبغي أن يكون نقطة بداية للتحقيق، لا دليلاً نهائياً على وقوع الجريمة.
وحتى الآن، لا تثبت الأدلة المتاحة أن أطفالاً عُرضوا للبيع عبر "فينتد".
ما يمكن إثباته هو انتشار صور لإعلانات غير معتادة، وتفسيرات ربطتها بالاتجار بالأطفال، من دون تقديم روابط أصلية أو معاملات أو ضحايا أو بيانات مستقلة تدعم هذا الاستنتاج.
أما المزاعم الأوسع بشأن استخدام المنصة لبيع أطفال، فلا تزال غير مثبتة.



