منذ سنوات يتردد الحديث الرسمي عن ترسيخ اللامركزية وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، باعتبارها الطريق الأقصر إلى تنمية أكثر كفاءة ومشاركة شعبية أوسع في صنع القرار.
غير أن مشروع قانون الإدارة المحلية بصيغته التي تستحدث منصب المدير التنفيذي في البلديات، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الدولة تتجه فعلاً نحو اللامركزية، أم أنها تعيد إنتاج المركزية بأدوات جديدة.
فالبلدية ليست دائرة حكومية، بل مؤسسة محلية يقودها مجلس منتخب ورئيس اختاره المواطنون لإدارة شؤون مدينتهم أو بلدتهم.
وعندما يصبح المدير التنفيذي المعين من الحكومة صاحب نفوذ واسع في إدارة الجهاز التنفيذي، فإن ذلك يخلق مركزاً موازياً للسلطة داخل البلدية، ويجعل القرار المحلي عرضة لتوازنات لا تحكمها إرادة الناخبين بقدر ما تحكمها إرادة الجهة التي عينت هذا المسؤول.
إن أخطر ما في هذا التوجه أنه يضعف المسؤولية الديمقراطية، فرئيس البلدية والمجلس المنتخب سيحاسبهما المواطن على الأداء، بينما يمتلك المدير التنفيذي أدوات تنفيذية واسعة من دون أن يكون منتخباً أو خاضعاً للمساءلة الشعبية المباشرة، وهنا تنشأ معادلة غير متوازنة، فالمحاسبة تقع على المنتخب بينما جزء مهم من القرار التنفيذي يبقى بيد المعين.
كما أن وجود مدير تنفيذي بصلاحيات واسعة قد يفتح الباب أمام تضارب في الاختصاصات ويؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار، أو إلى صراعات إدارية داخل البلدية، خصوصاً إذا اختلفت رؤية المجلس المنتخب مع توجهات المدير التنفيذي أو الجهة التي يتبع لها.
وبدلاً من تسهيل العمل البلدي قد تتحول الإدارة إلى ساحة تجاذب بين سلطتين داخل المؤسسة الواحدة، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الإدارة المهنية أو الحاجة إلى جهاز تنفيذي كفؤ، فالكفاءة الإدارية ضرورة لا خلاف عليها.
لكن تحقيقها لا يكون بإضعاف المؤسسات المنتخبة بل بتطوير قدراتها وتأهيل كوادرها، ووضع معايير واضحة للمساءلة والرقابة، مع الحفاظ على استقلالية القرار المحلي.
إذا كانت الغاية من مشروع القانون هي تحسين الأداء البلدي، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر تعزيز صلاحيات المجالس المنتخبة وتمكينها، لا عبر نقل جزء من سلطتها إلى مسؤول معين.
فاللامركزية لا تقاس بالشعارات أو الانتقاص منها، وإنما بحجم السلطة الحقيقية التي يمتلكها ممثلو المواطنين في إدارة شؤونهم بعيداً عن وصاية حكومية جديدة تفرغ الإدارة المحلية من مضمونها وخلق ازدواجية في اتخاذ القرار بين الرئيس المنتخب والمدير التنفيذي المعين.
فجوهر الانتقاد يتمثل في أن تعيين مدير تنفيذي من قبل السلطة المركزية قد يؤدي إلى تقليص صلاحيات رئيس البلدية والمجلس المنتخب، وتعزيز هيمنة الحكومة المركزية على القرار البلدي.
إن استحداث منصب المدير التنفيذي بصيغته الحالية قد ينظر إليه باعتباره عودة للمركزية من الباب الخلفي، ويهدد بإفراغ الإدارة المحلية من مضمونها الحقيقي.
لذلك فإن أي إصلاح تشريعي ينبغي أن ينطلق من سؤال بسيط هل يمنح هذا القانون البلديات استقلالية أكبر، أم يجعلها أكثر ارتباطاً بالقرار المركزي؟،
والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع يمثل إصلاحاً حقيقياً، أم مجرد إعادة ترتيب لهرم السلطة تحت عنوان جديد.



