*
الاحد: 12 تموز 2026
  • 12 تموز 2026
  • 18:51
هل تجري
الكاتب: عماد داود

النهر لا يسأل الرافد عن اسم منبعه.

يسأله سؤالا واحدا: هل تجري؟

الرافد الذي ينضم إلى النهر لا يحمل معه شهادة ميلاد.

يحمل معه ماءه فقط.

تجتمع الروافد، لأن الماء لا يعرف فضيلة العزلة.

والمواطن في هذا الوطن رافد لا أكثر.

لا يسأله الوطن عن اسم جده، ولا عن قرية أبيه.

يسأله سؤالا واحدا: هل تجري في عروق هذا الوطن؟

وحين يتوقف رافد عن الجريان، لا يموت وحده، يموت النهر كله معه.

فمن يقطع رافدا بحجة أن منبعه بعيد، إنما يقطع ذراعا من جسد النهر نفسه.

للنهر أصل لا ينكره.

لكنه لا يجعل من الأصل شرطا للجريان.

وهؤلاء الذين يقفون على الضفاف يفتشون في كل رافد عن شهادة ميلاده، لا يحمون النهر، إنما يجففونه رافدا رافدا!

وكأن النهر مكتب تسجيل عقاري لا مجرى ماء!

والنهر، لو ملك لسانا، لضحك حتى يجف من الضحك قبل أن يجف من العطش!

هناك من يعيش على جفاف النهر، لا على جريانه.

هؤلاء لا يريدون له أن يجري، لأن جريانه ينهي تجارتهم.

وكل سؤال يطرحونه: من الأصلي؟ من الطارئ؟ حجر يُرمى في المجرى، ليس ليعبره أحد، بل ليعطله!

الأردن نهر لم يبنه رافد واحد.

جرت فيه روافد الشمال والجنوب والشرق والغرب، وروافد جاءت من خلف الحدود حين ضاقت بها أوطانها الأولى.

النهر لم يسأل، فلماذا يسأل من يقف على الضفة اليوم؟!

تحت الجسر نفسه، لعب أطفال لا يعرفون منابع آبائهم.

تشابكت أيديهم فوق الماء، ولم يسأل أحدهم رفيقه: من أي رافد أتيت؟

لست من يقيس الرافد بمسافة منبعه.

أقيسه بما يحمله من ماء حين يشتد القيظ، وتحتاج الأرض إلى كل قطرة صادقة.

من يفتش عن اسم المنبع يقف على الضفة يابسا كسؤاله.

ومن يجري، هو وحده من يصنع النهر.

والنهر، في النهاية، لا يسأل إلا سؤالا واحدا:

هل تجري؟

 

[email protected]

مواضيع قد تعجبك