*
الثلاثاء: 14 تموز 2026
  • 13 تموز 2026
  • 20:32
لماذا لا نحلم جميعا بنفس الطريقة

خبرني - يعتقد كثيرون أن التجارب الذهنية مشتركة بين جميع البشر، لكن الأبحاث الحديثة تكشف أن الواقع أكثر تعقيدا.

فليست كل العقول قادرة على التخيل بنفس الطريقة، إذ يعاني بعض الأشخاص مما يعرف بـ"العمى التخيلي البصري"، وهي حالة تجعلهم غير قادرين على تكوين صور ذهنية بإرادتهم، فلا يستطيعون تخيل وجوه الشخصيات أثناء قراءة رواية مثلا.

ولكن المفاجأة أن الاختلافات لا تتوقف عند التخيل البصري، بل تمتد لتشمل بقية الحواس. ففي تجربة شخصية، يروي الباحثان دريك ولورين، وكلاهما يعانيان من العمى التخيلي البصري، أن دريك يستطيع تخيل الموسيقى في ذهنه، بينما تعاني لورين من "عقل صامت" لا يسمع حتى صوتها الداخلي.

وفي المقابل، تمتلك لورين قدرة قوية على تخيل اللمس والطعم والرائحة، بينما يفتقر دريك لهذه القدرات تماما.

وهذا التناقض في قدرات اليقظة دفع الباحثين للتساؤل: ماذا عن الأحلام؟ هل تعكس نفس الاختلافات أم أنها تخضع لمنطق مختلف؟.

وللإجابة، أجرى فريق البحث دراسة شملت 84 شخصا من المصابين بالعمى التخيلي البصري، ومجموعة مقارنة من 121 شخصا غير مصابين به، وطلبوا منهم الإبلاغ عن محتوى أحلامهم وتجاربهم التخيلية أثناء اليقظة.

وكانت النتائج مفاجئة. فبينما يرى دريك أحلاما بصرية وصوتية غنية، تحلم لورين بأحلام "صافية" تفتقر إلى الصور والأصوات، وتتكون بدلا من ذلك من قصة واعية يمكنها التحكم بها، مصحوبة بمشاعر الملمس والحركة.

والأكثر إثارة أن أنماط الأحلام هذه كانت متطابقة مع قدراتهم في اليقظة، إذ لا تتضمن أحلام دريك أي إحساس باللمس أو الطعم أو الرائحة، بينما لا تحتوي أحلام لورين على أي عناصر بصرية أو صوتية.

لكن الدراسة كشفت أن هذه القاعدة لا تنطبق على الجميع. فبعض المصابين بالعمى التخيلي البصري يبلغون عن وجود تطابق كامل بين أحلامهم وخيالهم في اليقظة، بينما يؤكد آخرون أنه لا يوجد أي تطابق على الإطلاق. وهذا التنوع يشير إلى أن هناك أكثر من تفسير عصبي واحد لهذه الظاهرة. فالبعض قد تكون أدمغتهم قادرة على توليد التجارب التخيلية، لكن الوعي بهذه التجارب يتعطل أثناء اليقظة، بينما البعض الآخر قد تكون أدمغتهم غير قادرة جوهريا على تكوين أنواع معينة من الأحاسيس التخيلية، سواء في النوم أو اليقظة.

والطريف أن الاختلافات لا تقتصر على المصابين بالعمى التخيلي، بل تمتد إلى الأشخاص الطبيعيين أيضا. فقد أظهرت الدراسة أن 37% من غير المصابين بالعمى التخيلي لا يشعرون أبدا بالروائح في أحلامهم، و33% لا يشعرون باللمس في أحلامهم. كما أن الكثيرين يعترفون بعدم تأكدهم من محتوى أحلامهم، ما يعني أن لكل شخص "توقيعه" الخاص في الحلم.

وربطت الدراسة أيضا بين محتوى الأحلام والحياة اليومية، إذ وجدت أن الأشخاص الذين يشتمون روائح في أحلامهم هم الأكثر قدرة على تخيل رائحة الطعام أثناء التفكير في العشاء وهم مستيقظون.

وهذه النتائج ليست مجرد فضول علمي، بل تحمل آثارا عملية مهمة. فالتخيل الذهني يستخدم على نطاق واسع في العلاجات النفسية، لكن من غير الواضح ما إذا كان المصابون بالعمى التخيلي يستفيدون منه بنفس الفعالية. كما أن المعلمين يشجعون الأطفال على التخيل، لكن نسبة الأطفال غير القادرين على ذلك تظل مجهولة.

ويرى الباحثون أن فهم هذه الاختلافات قد يفتح نافذة على أحد أعظم ألغاز العلم: كيف يخلق الدماغ البشري الوعي؟، ويأملون في المستقبل القريب أن يتمكنوا من تفسير لماذا يستطيع البعض تخيل رائحة العشاء قبل طهيه، بينما لا يستطيع آخرون ذلك.

مواضيع قد تعجبك