لم يكن المقصود من ذكر الأشخاص في القرآن الكريم مجرد التعريف بهم، بل استخلاص العبرة، وكشف سنن المجتمعات، وتجريد النماذج الإنسانية من حدود الزمان والمكان. ولهذا لم تكن حمالة الحطب مجرد امرأة ارتبطت بمرحلة من مراحل الدعوة، وإنما كانت رمزا لوظيفة تتكرر كلما وجد الباطل من يحمله، والظلم من يبرره، والفساد من يغذيه.
وصناع مشهد الظلم لا يستطيعون أداءه وحدهم، بل يجدون دائما من يحمل لهم الوقود، ويمهد لهم الطريق، ويمنح أفعالهم غطاء من التبرير. فالطغيان لا يعيش بقوة السيف وحدها، بل يستمد بقاءه من ألسنة تزين الباطل، وأقلام تشرعن الجريمة، ووجوه تصفق له وهو يذبح العدالة باسم المصلحة العامة أو الوطنية.
وفي التراث الإسلامي ارتبطت حمالة الحطب، أم جميل، بحمل الشوك في طريق النبي إيذاء له، أما اليوم فقد تبدلت الأدوات، واتسعت ساحات الإفساد. أصبح الحطب تقريرا مضللا، أو ملفا مزورا، أو خبرا مفبركا، أو إعلاما مأجورا، أو جيوشا إلكترونية، أو حملات تشويه، أو خطابات تبث الكراهية، أو سياسات تكرس الفساد. فما كان يؤذي طريق نبي، قد يحرق اليوم مستقبل شعب بأكمله.
والاستبداد لا يبدأ حين يجلس الظالم على كرسي القرار، بل يبدأ يوم يقتنع إنسان بأن الصمت أسلم من قول الحق، وأن المصلحة الخاصة أغلى من المصلحة العامة. عندها توضع أول قطعة حطب في النار، وما بعدها ليس إلا اتساعا للهب.
وحين يبحث الظالم عن أعوانه، لا يفتش أولا عن أصحاب القوة والأمانة، بل عن أصحاب الاستعداد لتزيين القبح. فالزيف يحتاج إلى من يصقله، والباطل يحتاج إلى من يمنحه لغة براقة، والاستبداد يحتاج إلى من يقنع الضحية بأن القيود ضرورة، وأن الصمت حكمة، وأن المطالبة بالعدل تهديد للاستقرار. وهذا الإقناع نفسه حطب، وإن لم يشتعل بالنار.
ولأن الباطل لا ينتصر بوجهه الحقيقي، فإنه يرتدي دائما قناعا جميلا. فلو ظهر الباطل عاريا، لما وجد من يتبعه. لذلك يرفع شعارات الوطنية ليخدم المصالح، ويتحدث عن الإصلاح ليحمي الفساد، ويدعو إلى الاستقرار ليخنق كل صوت يطالب بالعدل.
وحمالة الحطب ليست امرأة بالضرورة، كما أنها ليست رجلا بالضرورة، وإنما هي وظيفة عابرة للجنسين، وللمناصب، وللأيديولوجيات. قد يكون صاحبها سياسيا، أو إعلاميا، أو موظفا، أو تاجرا، أو مثقفا، أو صاحب حساب على منصة رقمية. وكل من جعل نفسه وقودا للفتنة، أو جسرا يعبر عليه الفساد، أو بوقا يعلو صوته كلما خفت صوت الحق، فقد حمل الحطب وإن لم يمسكه بيديه.
ولا يختلف الفساد الاقتصادي عن ذلك؛ فهو لا يبدأ بسرقة المال العام، بل بمن يبررها، أو يصمت عنها، أو يشارك في إخفائها تحت شعارات براقة. وحين تتحول الثروة إلى امتياز لفئة، وتصبح الفرص حكرا على المقربين، يصبح الفقر صناعة بشرية لا كارثة طبيعية. وكم من وطن يملك من الموارد ما يكفي أهله، لكن حمالة الحطب كانت أسرع إلى حمل الغنائم من حمل الأمانة.
لكن حمالة الحطب لا تعمل وحدها، بل تحتاج إلى بيئة تتسامح مع الكذب، وتتعايش مع الظلم، وتألف الفساد حتى يصبح أمرا عاديا. كما تحتاج إلى جمهور يصدق بلا تمحيص، ويصفق بلا وعي، ويصمت وهو يرى الحريق يلتهم الوطن. فليس كل من يخدم الباطل يحمل إليه الوقود بيديه؛ فقد يخدمه من يراقب المشهد في صمت، أو يقنع نفسه بأن الأمر لا يعنيه، أو ينتظر حتى تصل النار إلى بيته.
إن الغفلة ليست أن تغلق عينيك عن الواقع، بل أن تراه كل يوم حتى تفقد قدرتك على الإحساس به. فكم من أجساد تمشي بين الناس، وقد ماتت فيها البصيرة، وغاب عنها الضمير؛ فلا ترى مظلوما فتنصره، ولا فسادا فتستنكره، ولا كلمة حق فتساندها إذا حوصرت.
ولهذا خلد القرآن حمالة الحطب، لا بوصفها امرأة من الماضي، بل بوصفها نموذجا إنسانيا يتكرر كلما وجد الباطل من يحمله، والظلم من يبرره، والفساد من يغذيه. وعندما يشتعل الحريق، لا يكون أخطر من أشعل الشرارة الأولى فقط، بل ايضا من ظل يحمل إليه الحطب حتى التهم الجميع. وبين من يشعل النار، ومن يحمل إليها الوقود، تضيع الأوطان، وتدفع الشعوب الثمن.



