ضياء العوضي مات في السابعة والأربعين.
جلطة قلبية.
الرجل الذي أمضى سنوات يفتّش عن الخطر في المائدة — وجده في قلبه.
سنوات وهو يُحاكم البيضة. يُدين الدجاجة. يُصدر الأحكام على اللبن والبقوليات والخضراوات النيئة. كأن النجاة كلها مختبئة في طبق — وهو وحده يعرف مكانها.
والسيجارة؟!
لم تجد لها مكاناً في قائمة الخبائث.
وفي الجهة الأخرى من الزمن، كانت صباح الشحرورة تغني:
"تغدّيني جبنة وزيتون... وتعشّيني بطاطا."
لم تكن تشرح حمية.
ولم تُصدر فتوى.
كانت تتحدث عن رجل درويش لا يملك شيئاً — فيمنحك كل شيء.
عن غرفة صغيرة ليس فيها غير حصيرة.
عن قلبٍ كان يرى الطعام محبةً... لا امتحاناً.
بين أغنية صباح ونظام الطيبات — عاش جيل كامل من العرب.
خائفاً من شيء.
باحثاً عن شيء.
ولا يعرف تماماً ما هو.
الناس لم يتبعوه لأنه كان مُقنعاً.
تبعوه لأنه لم يترك للشك مكاناً.
في زمن أتعبته الأسئلة — صاحب الجواب الواحد ملك.
حتى لو كان الجواب يقتل.
مريضة اتصلت به وهي تتدهور.
قال لها:
"أكيد أكلتِ جبنة."
دخلت العناية المركزة.
لم تخرج.
شاب أوقف الأنسولين لأنه اقتنع أن السكر لا يقتل.
قتله السكر.
أمٌّ أوقفت الأنسولين عن طفلها — اتّباعاً لنظام الطيبات.
فوجدت نفسها أمام القضاء.
ثلاث قصص.
وفوقها جميعاً — قبر في السابعة والأربعين!
ثم كبرت القوائم بعد رحيله.
طالت.
ازدادت صرامة.
ازدادت ثقة.
وصار لكل لقمة حكم.
ولكل طبق ملف.
ولكل مريض يقين جاهز.
إلا الحياة.
كانت تفسد القوائم... كل مرة.
الآن حُظر كل محتواه.
والمطاعم التي تحمل اسم "الطيبات" تفتح أبوابها في كل شارع!
والملايين منقسمون — بين من ازداد إيماناً بعد موته، ومن صار يخاف أن يسأل.
لأن الموت... يغسل الأسئلة.
والميت الذي مات "مظلوماً" — يصبح أيقونة!
مات الرجل.
وبقيت المائدة.
الجبنة في مكانها.
والزيتون في مكانه.
والبطاطا في مكانها.
والبيضة — التي حاكمها سنوات — في مكانها.
كأن شيئاً لم يحدث.
كأن الطعام لم يكن القضية أصلاً.
صباح رحلت بعد عمر طويل مديد.
والطبيب... لم يُكمل الخمسين.
والأغنية بقيت.
ربما لأن الأغاني لا تعد أحداً بالخلاص.
ربما لأن الدرويش الذي لا يملك شيئاً — لا يخاف أن يخسر شيئاً.
ثم تأتي الحياة وتفعل ما تفعله دائماً.
تضحك من القوائم.
ويبقى السؤال... جالساً إلى المائدة، بينما تغادرها الإجابات!



