على طريق تحيط به الرمال الصفراء من جميع الجهات، تكسر محطة وقود في قلب صحراء ولاية نهر النيل حاجز الصمت بأصوات مئات السيارات المصطفة أمامها للتزود بالوقود في ظل أزمة اقتصادية خانقة تشهدها المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني وحلفائه من جماعة الإخوان المسلمين والحركات المسلحة.
مشهد الطوابير الطويلة في مدينة أبوحمد بولاية نهر النيل، والذي رصدته منصة "سودان إلترا" بمقطع مصور نشرته عبر حسابها على منصة إكس، بات متكررًا في مناطق مختلفة تخضع لإدارة الجيش، وألقت بظلالها على أسعار السلع الأساسية والخدمات غير المتوفرة أساسًا، ومن ثم معاناة ملايين الأسر في ظل بلد ممزق بفعل الحرب الممتدة منذ أبريل عام 2023.
مصانع متوقفة
عن الواقع المأساوي الذي يعاني منه السودانيون في مناطق سيطرة الجيش، يقول تقرير لصحيفة الراكوبة المحلية، إن "السودانيين باتوا محاصرين بين حرب لا تنتهي وغلاء يزداد شراسة، حيث أغلق تجار محالهم، وغادر آخرون الأسواق، مع استمرار تدهور القوة الشرائية وارتفاع الأسعار وفقدان الأسواق كثيرًا من السلع الأساسية، عقب قرار منع استيراد بعض السلع إلى السودان".
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الأوضاع تتزامن مع "توقف عجلة المصانع بسبب انعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، بالإضافة إلى التضييق الذي تمارسه الحكومة عبر الرسوم والضرائب المرتفعة، ما أدى إلى شلل شبه تام في الأسواق مع تسجيل ارتفاعات يومية في الأسعار".
ويؤكد التقرير أن "موجة الغلاء الأخيرة والمستمرة تكشف عن واقع معيشي يزداد قسوة يومًا بعد يوم، ويعكس هذا المشهد، الذي يتكرر في المدن والقرى على حد سواء، حجم التآكل الذي أصاب البنية الاقتصادية والاجتماعية في السودان، حيث باتت القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية رفاهية لا يملكها كثيرون".
وتستشهد "الراكوبة" بتقرير حديث لمبادرة الرصد المشترك للأسواق السودانية الذي أظهر "ارتفاع تكلفة الحد الأدنى للإنفاق في السودان بنسبة 2% خلال شهر مايو الماضي ، في ظل استمرار الضغوط التضخمية التي تواجه السودانيين في مختلف الولايات، حيث ارتفعت قيمة سلة الحد الأدنى للإنفاق على المستوى الوطني، ما يعكس اتجاهًا تصاعديًا في أسعار السلع الأساسية خلال الأشهر الماضية".
من ناحية أخرى تكشف أرقام تقرير المبادرة نفسه عن كيفية تأثر المناطق المحلية الخاضعة لسيطرة الجيش بجنون الأسعار، إذ إن "أعلى تكاليف سلة الحد الأدنى للإنفاق في مناطق بولاية كسلا، تلتها ولاية الخرطوم، ثم ولاية جنوب كردفان.
تنصل من المسؤولية
لكن هذا الوضع يعكس من ناحية أخرى فشل الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان وحكومته في إدارة الدولة واقتصادها، إذ يقول تقرير لـ"سودان تايمز" إن "السودان أصبح اليوم عالقًا بين معاناة يومية خانقة واقتصاد حرب تسيطر عليه مصالح مسلحة. وبينما يواصل البرهان إلقاء اللوم على الآخرين وتجنب المساءلة، يبقى المدنيون هم من يدفعون ثمن صراع تحركه اعتبارات السلطة والربح والبقاء السياسي".
وأشار التقرير إلى "إقرار البرهان بحجم الأزمات المتفاقمة التي يعيشها السودان، لكن منتقدين يقولون إن تصريحاته الأخيرة تجنبت مرة أخرى تحمل المسؤولية عن الانهيار الذي يتكشف تحت سلطة بورتسودان.. ففي حديث له قبل أيام وسط تفاقم النقص في السلع، وانقطاع الكهرباء، والاضطرابات الاقتصادية، أقر قائد الجيش بأن المواطنين السودانيين يواجهون كوارث أثرت على كل جانب تقريبًا من جوانب الحياة اليومية منذ اندلاع الحرب".
وتابع: "لكن بدلًا من تقديم مسار واضح لإنهاء الحرب أو الاعتراف بالمسؤولية عن إخفاقات الدولة، اتهم البرهان جهات لم يسمها بالتسبب في الفساد وتعميق الأزمة، حيث اعتبرت هذه التصريحات محاولة لتحويل اللوم نحو شخصيات داخل إدارة رئيس وزرائه كامل إدريس، مع تقديم نفسه كمراقب للأحداث لا كسلطة مركزية تقف خلف الحكومة السودانية التي يقودها العسكريون".
وهنا ينبه تقرير "سودان تايمز" إلى "تعليقات البرهان التي تتبع نمطًا مألوفًا من الاعتراف بالمعاناة وإلقاء اللوم على الآخرين وتجنب الخطوات السياسية اللازمة لوقف الحرب. وخلف الخطاب السياسي، أصبح اقتصاد الحرب في السودان خاضعًا بشكل متزايد لشبكات مرتبطة بفصائل إسلامية من النظام السابق وقادة حركات مسلحة متحالفة مع القوات المسلحة السودانية. وقد وسعت هذه الجماعات نفوذها عبر خطوط الإمداد الاستراتيجية، وحصلت على امتيازات مربحة في مجالات الوقود والاستيراد والسلع الأساسية".
وأكد التقرير أن "أزمات نقص السلع التي تدمر حياة السودانيين العاديين أصبحت مصدرًا للربح بالنسبة للوسطاء المرتبطين بالحرب. فقد أدى شح الوقود، وارتفاع الأسعار، وتفاقم الأوضاع الإنسانية إلى خلق فرص لمن يسيطرون على الوصول إلى السلع، وطرق النقل، والعقود المرتبطة بالدولة".
وتبرز حديث المراقبين للأوضاع في السودان عن أن الأوضاع المعيشية للسودانيين "تفسر سبب عدم امتلاك العديد من الجماعات المحيطة بالجيش السوداني اهتمامًا حقيقيًا بإنهاء الصراع. فالسلام من شأنه أن يهدد الامتيازات السياسية والاقتصادية التي اكتسبتها هذه الجماعات في ظل ظروف الحرب، لكن في الوقت نفسه، يستمر العبء في الوقوع على المدنيين. فالأسر تكافح في مواجهة الارتفاع الحاد في الأسعار، ونقص الوقود، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وتكاليف النزوح، بينما تتنافس مراكز القوة المسلحة والأيديولوجية على مكاسب اقتصاد ينهار تدريجيًا".
وأخيرًا يرسم "سودان تايمز" ملامح المرحلة الراهنة "فتعبيرات البرهان تناقض تعاطفه مع الشعب السوداني بشكل حاد في ظل سلوكه على طاولة المفاوضات. ففي حين يطالب جزء كبير من الرأي العام بإنهاء الحرب فورًا، تواصل قيادة الجيش وضع الشروط، وتأخير جهود السلام، والحفاظ على تحالفاتها مع الفصائل الإسلامية والجماعات المسلحة التي تستفيد من إطالة أمد الصراع".



