*
الاثنين: 22 حزيران 2026
  • 22 حزيران 2026
  • 08:46
الأردن متحفٌ بلا أسوار
الكاتب: الدكتور زيد أحمد المحيسن

كثيرًا ما يجري اختزال مفهوم السياحة في تصورات ضيقة لا تعكس حقيقتها ودورها الحضاري والثقافي، بينما السياحة في جوهرها رحلة لاكتشاف الإنسان والتاريخ والمكان والهوية. فالسائح لا يترك وطنه ويقطع آلاف الكيلومترات بحثًا عن نسخة مكررة مما يراه يوميًا في بلده، بل يبحث عن الخصوصية والتميز والتجربة المختلفة التي تمنحه معرفة أعمق بالشعوب والحضارات. ومن هنا تبرز أهمية تصحيح مفهوم السياحة وإعادة توجيهه نحو إبراز الهوية الوطنية والثقافة الأصيلة بدل الارتهان إلى أنماط مستوردة لا تضيف شيئًا إلى صورة الوطن ولا إلى تجربة الزائر.
والأردن من أكثر البلدان التي تمتلك مقومات سياحية استثنائية ومتنوعة، حتى يمكن وصفه بحق بأنه "متحف بلا أسوار". فهو أرض تعاقبت عليها الحضارات منذ آلاف السنين، وتركت بصماتها واضحة في المدن الأثرية والمواقع التاريخية التي تحكي قصة الإنسان منذ فجر التاريخ. وفي الوقت نفسه يحتضن الأردن إرثًا دينيًا عظيمًا جعله مقصدًا للسياحة الدينية من مختلف أنحاء العالم، بما يضمه من مواقع ذات مكانة روحية وتاريخية راسخة في وجدان أتباع الديانات المختلفة.
ولا تقتصر السياحة الأردنية على التاريخ والدين فحسب، بل تمتد إلى السياحة العلاجية والاستشفائية التي تستفيد من الموارد الطبيعية الفريدة، وإلى سياحة المؤتمرات والندوات التي تجعل المملكة محطة للقاءات الإقليمية والدولية، كما تشمل السياحة البيئية التي تبرز جمال الطبيعة وتنوعها بين الصحراء والجبال والأودية والمحميات الطبيعية. وإلى جانب ذلك تتجلى السياحة الثقافية في التراث الشعبي والفنون والأدب والعادات والتقاليد التي تشكل جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع الأردني، كما تبرز سياحة المهرجانات والفعاليات الفنية والتراثية التي تتيح للزائر التعرف إلى الثقافة المحلية بصورة حية ومباشرة.
وتشمل خريطة السياحة أيضًا السياحة الترفيهية والرياضية وسياحة المغامرات والرحلات الريفية وسياحة الطعام والتسوق، وهي جميعها عناصر تكمل التجربة السياحية وتمنح الزائر خيارات متنوعة تتناسب مع اهتماماته المختلفة. غير أن نجاح هذه الأنواع كافة لا يتحقق من خلال تقليد الآخرين أو استنساخ نماذج غريبة عن المجتمع، وإنما من خلال تقديم الأردن كما هو؛ بتاريخه العريق، وثقافته الأصيلة، وشعبه المعروف بالكرم والنخوة وحسن الضيافة، وقيمه الاجتماعية الراسخة التي شكلت شخصيته عبر القرون.
إن السياحة الحقيقية ليست عملية تجميل مصطنعة للواقع، بل هي تقديم صادق لهوية المكان ورسالة المجتمع. والسائح الذي يزور الأردن يريد أن يرى الأردن نفسه، لا صورة مستعارة من ثقافات أخرى. يريد أن يتعرف إلى الإنسان الأردني وعاداته وتقاليده ومطبخه الشعبي وفنونه وتراثه وقصصه التاريخية، وأن يلمس أصالة المكان وخصوصيته. لذلك فإن المهمة الأساسية للعمل السياحي تتمثل في إبراز هذه الهوية وصونها وتقديمها للعالم بثقة واعتزاز، لأن ما يميز الأردن حقًا ليس ما يشبه غيره، بل ما ينفرد به عن سواه. ومن هنا يبقى الأردن متحفًا بلا أسوار، مفتوحًا على التاريخ والحضارة والطبيعة والإنسان، يحمل رسالة ثقافية وإنسانية تستحق أن تُروى للعالم بأمانة وفخر

مواضيع قد تعجبك