إن إدارة المدن والمحافظات ليست مجرد تنظيم إداري للخدمات، بل هي في جوهرها استجابة ذكية لحاجات الناس وتطلعاتهم الحيوية. ومع تسارع النمو السكاني، بات لزاماً على عقل الدولة والبلديات الخروج من دائرة "إدارة الأزمات المؤقتة" والالتفات الجاد والمسؤول نحو توظيف الأراضي والمساحات الشاسعة التي تمتلكها خزينة الدولة والبلديات، وتحويلها إلى فضاءات مجهزة تخدم البعدين الاجتماعي والتنموي للمواطنين.
ولعل ما قامت به الحكومة وأمانة عمان مؤخراً من خطوة ذكية وحكيمة بفتح المدرج الروماني للمواطنين لحضور مباريات المنتخب الوطني الأردني في كأس العالم، يُمثل نموذجاً حياً ومثالاً يحتذى لما يمكن أن تفعله الإرادة الرسمية عندما تقرر استغلال الأماكن الأثرية والعامة لخدمة المجتمع. لقد أثبتت هذه الخطوة الناجحة أن الناس متعطشون للمساحات المنظمة التي تجمعهم في لحظات الفرح والانتماء المشترك.
لكن هذا النجاح يجب ألا يبقى استثناءً معزولاً، بل يجب أن يتحول إلى سياسة حكومية عريضة ومستدامة تشمل كافة المحافظات والمدن. إن ترك المناسبات الوطنية والفعاليات العامة دون تخطيط مكاني مسبق يضع المسؤولية المباشرة على عاتق الحكومات والبلديات في تفاقم الاختناقات المرورية، واشتداد أزمات السير، وارتفاع معدلات الحوادث، ناهيك عن التلوث البيئي والسمعي المتمثل في "إزعاجات زوامير السيارات" والضوضاء التي تقلق راحة الأحياء السكنية وتحول البهجة إلى عبء يومي.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي من الحكومات اليوم ترجمة هذا الوعي إلى خطوات تنفيذية ملزمة:
استثمار أراضي الدولة: حصر الساحات والمساحات غير المستغلة التابعة للبلديات وخزينة الدولة، وتحويلها إلى ميادين عامة ومفتوحة مؤهلة لاحتضان الفعاليات في كافة المحافظات.
التجهيز اللوجستي المتكامل: رفد هذه الفضاءات بالمدرجات، والمرافق العامة، والخدمات الأساسية التي تضمن سلامة الحضور وراحتهم.
حلول مرورية جذرية: توفير مواقف وسيعة ومصفات مخصصة للمركبات محيطة بهذه الساحات، لمنع تمدد الاحتفالات إلى الشوارع الحيوية وضمان انسيابية السير.
إن فتح المدرج الروماني كان خطوة بالاتجاه الصحيح، لكنها تضع الإدارات المحلية أمام تحدي التعميم والابتكار. لقد حان الوقت لتتحمل الحكومات مسؤوليتها في "أنسنة المدن" واستغلال مقدراتها المكانية، لتظل شوارعنا شرياناً للحياة، وتصبح ساحاتنا منبراً للفرح المنظم والوعي المجتمعي المتحضر



