*
الخميس: 18 حزيران 2026
  • 18 حزيران 2026
  • 09:05
الأردن والنشامى حين نظرنا إلى أنفسنا في العالم
الكاتب: عماد داود

بعد أن هدأت الضجة...
لم تعد النتيجة هي الحدث.
بل ما تكشفه بعد أن تهدأ.

فالغضب أحياناً ليس كرهاً.
هو حب لم يجد طريقه إلا عبر الصراخ.

فالناس حين تصل إلى مكان بعيد، تنسى أحياناً كم كان بعيداً.
وحين تعتاد الحلم، تتوقف عن تذكر المسافة التي احتاجها كي يصبح حقيقة.

وربما لهذا بدت مباراة النمسا أكبر مما ينبغي...
بينما بدت الرحلة كلها أصغر مما تستحق.

خسر النشامى أمام النمسا.
نعم.
هذه هي النتيجة.
أما الحكاية فليست هنا.

الحكاية في تلك اللحظة التي اكتشف فيها الأردنيون أنهم لم يعودوا ينظرون إلى العالم من الخارج...
بل صاروا ينظرون إلى أنفسهم فيه!

فالخسارة قد تكون خبراً ليوم واحد.
أما الوصول إلى هذا المكان فهو خبر جيل كامل.

لسنوات طويلة، كان كأس العالم نافذة نطل منها على الآخرين.
نشاهد.
ونصفق.
ونحلم.
ثم نغادر كما يغادر الزائر مدينة لا يسكنها.

أما اليوم، فقد أصبح للأردن مقعده في المشهد.
وعلمه بين الأعلام.
وصوته بين الأصوات.
وحكايته التي لم تعد مستعارة من أحد.

ولهذا بدا لي شيء واحد أغرب من نتيجة النمسا:
النسيان!

ذلك النسيان الذي يجعل مباراة واحدة أكبر من رحلة كاملة.
وأكبر من سنوات.
وأكبر من جيل بأكمله.

كأن بعضنا نسي كم كان هذا المكان بعيداً.
وكم بدا الوصول إليه مستحيلاً.
وكم مرة تعثر الحلم قبل أن يجد طريقه إلى الضوء.

وأخطر ما يفعله الوصول بالناس أنه يمحو من ذاكرتهم المسافة.
فجأة يصبح الوقوف في المكان نفسه أمراً عادياً.
ويصبح الحلم القديم حقاً مكتسباً.
ويصبح الإنجاز خبراً قديماً.
ثم ننسى كم تعبنا للوصول إليه.

فالنتائج تُكتب على لوحة.
ثم تُمحى.
أما الرحلات فتبقى.
تبقى لأنها لا تُبنى في تسعين دقيقة.
بل في أعوام من المحاولة والتعثر والنهوض.

هذا المنتخب لم يبدأ من المدرجات الممتلئة.
ولم يبدأ تحت الأضواء.
بدأ من أماكن أصغر من أحلام أصحابها.
ومن محاولات كثيرة انتهت بخيبة.
ثم بمحاولة أخرى.
ثم بأخرى.
حتى وصل.
ولم يصل بطريقة أخرى.

حتى وصل إلى المكان الذي ظل الأردنيون عقوداً ينظرون إليه من بعيد.
وهنا تكمن الحكاية.
لا في النتيجة.
بل في المسافة.

المسافة بين حلم كان يبدو أكبر من أصحابه...
وحقيقة أصبح بعضنا يختلف على تفاصيلها.
ويا لها من مسافة!

نعم...
كان يمكن أن تكون المباراة أجمل.
وكان يمكن أن يكون الأداء أفضل.
وكان يمكن أن تكون النتيجة مختلفة.
لكن ذلك كله يبقى تفصيلاً أمام حقيقة أكبر.

أن الأردن أصبح هنا.
هنا بالذات.
في المكان الذي ظل طويلاً يُرى من الشاشات.
ثم دخله.
ثم جلس فيه.
ثم بدأ يغضب من تفاصيله!

ولهذا لا أرى أن أهم ما خرجنا به من هذه المشاركة هدفاً.
ولا مباراة.
ولا نتيجة.

أرى أن أهم ما خرجنا به هو صورة جديدة لأنفسنا.
صورة وطن اكتشف أن أحلامه ليست أصغر من العالم.
وأن مكانه لا يُقاس بلحظة تعثر...
بل بقدرته على مواصلة الطريق.

خسر النشامى أمام النمسا.
نعم.
لكن الخسارة الحقيقية كانت ستحدث لو بقينا حيث كنا لعقود...
خارج المشهد.

أما اليوم...
فإن الأردن لا ينظر إلى العالم من بعيد.
لقد أصبح جزءاً من المشهد نفسه!

وهذه ليست نتيجة مباراة…
بل اللحظة التي لم نعد فيها خارج الصورة.
بل صرنا جزءاً منها!

[email protected]

مواضيع قد تعجبك