*
السبت: 30 أيار 2026
  • 30 أيار 2026
  • 18:33
خطاب استحوا  حين تتحول المؤسسة الرسمية إلى منبر توبيخ لا دولة قانون
الكاتب: د. بثينة محادين

أثار المنشور الأخير الصادر عن وزارة البيئة جدلاً واسعاً، ليس بسبب الموقف من رمي النفايات في الشوارع، فهذه مسألة لا خلاف على خطورتها ورفضها مجتمعياً، بل بسبب انحدار اللغة المستخدمة في مخاطبة المواطنين، بما لا يليق بمؤسسة رسمية يفترض أنها تمثل الدولة وقانونها وهيبتها.
فقد تضمّن المنشور عبارات من قبيل: "استحوا"، و"وين الانتماء؟"، و"الشارع مش سلة زبالة". وهي ليست مجرد تعبيرات عاطفية عابرة، بل خطاب توبيخي مباشر، يُخرج المؤسسة من موقعها كجهة تنظيم وإنفاذ قانون إلى موقع الواعظ والملوِّم، بل وأحياناً المُدين للجمهور بشكل جماعي.
المشكلة هنا ليست في الغضب من سلوك خاطئ، بل في طريقة ممارسة هذا الغضب بإسم الدولة. فالمؤسسات العامة لا تتحدث كأفراد في نقاشات الشارع، ولا يجوز أن تنزلق إلى خطاب انفعالي، لأن كل كلمة تصدر عنها تُنسب إلى الدولة لا إلى صاحب رأي شخصي.
من حق الوزارة أن تفرض النظام، وأن تلاحق المخالفات، وأن تنشر التوعية، وأن تستخدم الغرامات والعقوبات التي يجيزها القانون. أما أن تتحول صفحتها الرسمية إلى منبر توبيخ جماعي، فذلك تجاوز خطير لفكرة الخطاب المؤسسي، وخلط غير مقبول بين سلطة القانون وانفعال الخطاب.
والأخطر من ذلك أن هذا الأسلوب يعامل المواطنين ككتلة واحدة مذنبة، وكأن المجتمع هو المسؤول عن سلوك أفراد محددين، في حين أن وظيفة الدولة هي التنظيم والمحاسبة الفردية لا الإدانة الجماعية.
وللمفارقة، فإن من يبرر هذا الخطاب بحجة “الصدمة” أو “الواقع الصعب” يتجاهل أن قوة الدولة لا تُقاس بحدة عباراتها، بل بقدرتها على فرض النظام دون المساس بكرامة خطابها أو حياده. فالدولة ليست منصة عتاب، ولا منبراً أخلاقياً، بل مؤسسة قانون.
وفي المقابل، فإن مشاهد تراكم النفايات بعد الفعاليات العامة ليست استثناءً محلياً، بل تحدث في مختلف الدول، بما فيها دول متقدمة. إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الدول تعالج الظاهرة عبر التخطيط المسبق، وإدارة الحدث، وتعزيز الرقابة والتنظيف، وليس عبر خطاب رسمي يوبّخ الجمهور بعد وقوع المشكلة.
حتى في الدول التي تشهد احتفالات ضخمة ومفتوحة، قد تظهر مخلفات بعد انتهاء الفعاليات، لكن التعامل معها يتم بهدوء إداري، عبر فرق النظافة والأنظمة، لا عبر خطاب رسمي يُحَمِل الناس جميعاً مسؤولية الفوضى.
ومن زاوية دستورية ومؤسسية، فإن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه يضرب مبدأً أساسياً في العلاقة بين الدولة والمواطن: الاحترام المتبادل. فالمواطن ملزم بالقانون، نعم، لكنه ليس ملزماً بتلقي خطاب يمس كرامته أو يخاطبه بلغة التوبيخ أو الإهانة المبطنة، مهما كانت الذريعة.
إن تصريح وزير البيئة الأخير بأن هذا الخطاب “مقصود” أو “متعمد” لا يخفف من خطورته، بل يفاقمها، لأنه يعني أن الجهة الرسمية تتبنى خيار كسر الطابع المؤسسي للخطاب العام، واستبداله بلغة انفعالية لا تليق بموقعها.
وفي المحصلة، لا أحد يدافع عن رمي النفايات أو الإضرار بالبيئة، لكن الأخطر من النفايات في الشوارع هو نفايات الخطاب الرسمي عندما يفقد توازنه. فالدولة التي تبدأ بالتوبيخ تنزلق سريعاً إلى فقدان الحدود بين السلطة والقيمة، وبين القانون والانفعال.
الدولة لا تحتاج أن تقول “استحوا” لتُحترم، بل تحتاج أن تُحترم لأنها تتحدث بلغة الدولة، لا بلغة الانفعال.

مواضيع قد تعجبك